في مجالس الأجداد وتحت ظلال بيوت الشعر، لم تكن الكلمات تلقى عبثاً، بل كانت خلاصة تجارب طويلة ومواقف حية.
ومن بين تلك الأمثال التي تحمل في طياتها حكمة بالغة وتحذيراً عميقاً
يبرز مثل: "كثر الحكوك سيل الدم".
ولكي نفهم سر هذا المثل ولماذا نطق به الأقدمون، علينا أن نعود للبيئة التي نشأ فيها.
لم يولد هذا المثل صدفة، بل نتيجة مراقبة دقيقة لبيئة البادية والحياة اليومية.
القصة تبدأ ؛ في الأصل مع الإبل والبهائم، وسنجد أن الجمل لو أصابه خدش بسيط أو قرحة صغيرة، فبدلاً من تركها لتشفى، يعتاده "الحكّ" المستمر في صخرة أو جذع شجرة لتخفيف الحكة.
بحثاً عن الراحة المؤقتة، فإن هذا الاحتكاك المستمر لن يشفيه، بل سيزيد الطين بلة، فيمزق الجلد ويوسع الجرح حتى ينزف دماً بغزارة ويهلك الحيوان.
من هذه الملاحظة الحية، التقط الأقدمون المعنى ونقلوه إلى عالم البشر؛ فالإنسان الذي يدخل في مناوشات يومية بسيطة، ومماحكات كلامية لا قيمة لها، ولا يرتدع، يمارس تماماً فعل "الحكّ" في جرح مفتوح.
فتبدأ الحكاية بمزحة ثقيلة، تتبعها كلمة جارحة، ثم عناد في الحق والباطل، فاستمرار في الاحتكاك... وإذا تراكمت هذه الصغائر ولم يتدخل العقل لإيقافها، تحولت النزاعات البسيطة إلى عداوة، وتطور الخلاف الكلامي إلى قطيعة، وربما إلى ما هو أبعد من ذلك من شجار وخصومة تسيل فيها الدماء وتضيع الحقوق.
كيف أثرت علينا بحياتنا اليومية؟
رغم أن الزمن غير الزمن، والبيئة اليوم تختلف عن بيئة الأجداد، إلا أن روح المثل لا تزال حاضرة بقوة في تفاصيل حياتنا المعاصرة، وتؤثر في سلوكنا اليومي من حيث ندر أو نحتسب ، واليوم، لا زلنا نعيش هذا المثل في تفاصيل حياتنا اليومية، وإن اختلف الشكل.
تراه واضحاً في البيوت حين تهدم المشاكل التافهة المتراكمة روابط المودة، وتراه في بيئات العمل حين يحول تصيد الأخطاء المستمرة بين الزملاء والأجواء إلى مناوشات.
والأدهى من ذلك تجده بوضوح في منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول النقاشات العقيمة والردود المستفزة المتواصلة بين الغرباء إلى معارك افتراضية طاحنة.
قالوها لتكون لنا عبرة؛ فالحكمة الحقيقية تكمن في التغافل وترك الصغائر تمر بسلام، لأن إخماد الشرارة في بدايتها هو السبيل الوحيد لتجنب عواقبها الوخيمة.