بكى من الظلام الذي رآه يلوح في مستقبل هذا الوطن، فضحكنا جميعًا وقلنا: هذا سياسي ذكي، يبكي ليستعطف الناس وها نحن اليوم نبكي ونندب بعضنا البعض مما حلّ بهذا الوطن الجميل الشامخ.
كان رئيس حكومة الوفاق، الدكتور محمد سالم باسندوة، حفظه الله تعالى، يخشى على ضياع هذا الوطن، وكان يعتلي المنابر في كل مرة ودموعه تنهمر أمام الجميع خوفًا مما قد يحدث.
دعانا جميعًا للوقوف معه وبناء وطننا الحبيب، لكننا أبينا وتكبرنا، واكتفينا بالضحك عليه، ووصفنا الرجل بالباكي لكن يشهد الله يا دكتور أن الوطن بأكمله يبكي، وأدرك الآن أن دموعك الغالية كانت دموع العقلاء، التي لا تنزل إلا لأمر جلل.
ظهر اليوم، شاءت الأقدار أن أزور هامة اليمن الكبيرة في منزله بشارع النيل في القاهرة تحدثنا طويلًا عن الوطن، وعن مرحلة تولّي الدكتور محمد رئاسة الحكومة وجدته ذلك المحب لوطنه، رغم كبر سنه وابتعاده عن العمل السياسي.
ما زال الدكتور محمد متمسكًا بوطنه وشعبه، رافضًا للتقسيم والتشتّت، رغم العروض المغرية التي مُنحت له في سبيل العودة إلى السلطة.
قال لي: يا ولدي، أنا خرجت من السلطة ولست طامعًا فيها، ولم أكن يومًا أسعى إليها بتاتًا، وإنما سعينا إلى بناء بلادنا، وكنا نتألم حينما نرى البلدان الأخرى تتقدم ونحن نعود إلى الوراء.
خرج باسندوة من الحكومة حاملًا معه محبة الناس وقلوبهم، التي تتمنى وجود مسؤول يمني بهذا القدر من الشرف والنزاهة والأخلاق.