آخر تحديث :الجمعة-24 يوليو 2026-11:24م

التواهي مقطوعة عن العالم

الجمعة - 24 يوليو 2026 - الساعة 10:20 ص
أ. إيهاب طاهر


أ/ إيهاب طاهر

تربوي


واقع الاتصالات منهار بينما كان المواطن ينتظر أن يشهد تحسنًا حقيقيًا في خدمات الاتصالات، تلك الخدمة التي أصبحت شريان الحياة الذي يربط الإنسان بأهله وأصدقائه وعمله ومصالحه، فوجئ أبناء مديرية التواهي بانقطاع كامل لشبكة الاتصالات، حتى باتت المديرية وكأنها جزيرة معزولة عن العالم، في مشهد لا يليق بعصر التكنولوجيا، ولا بدولة يُفترض أنها تسعى إلى مواكبة التطور.


وفي خضم هذا الواقع المرير، انشغلت وسائل الإعلام بالترويج لظهور البطل الجديد في عالم الاتصالات، شركة ستارلينك (Starlink)، وصُوّرت وكأنها المنقذ الذي سيقلب موازين التقنية، حتى خُيّل للبعض أننا سنسبق دول الخليج والعالم في سرعة الإنترنت وجودة الاتصالات. لكن الحقيقة المؤلمة أن هذه الضجة لم تُغيّر شيئًا من معاناة المواطن، الذي ما يزال يصارع خدمات متهالكة لا تستطيع حتى تلبية أبسط احتياجاته اليومية.


أما «يمن نت» و«عدن نت»، وهما من أقدم مزودي خدمة الإنترنت في البلاد، فقد ظلتا أسيرتي الإهمال. سنوات طويلة مرت دون تحديث حقيقي أو تطوير يواكب الزمن، حتى أصبحتا صورة مصغرة لحال الوطن نفسه؛ وطن كان يومًا مضرب المثل في الحضارة والجمال، تغنى به الشعراء وتغزل الفنانون بأمجاده، فإذا به اليوم يتراجع في أبسط الخدمات، حتى أصبح كثيرون يتحسرون على الماضي، رغم كل ما كان يحمله من صعوبات.


إن الإنسان لا يشتاق إلى الماضي لأنه كان مثاليًا، بل لأن الحاضر أصبح أكثر قسوة؛ فالظلم وسوء الإدارة هما من يصنعان الحنين. وحين نتأمل واقعنا نجد أن القديم، في كثير من الأحيان، يتفوق على الجديد، ليس لأن الزمن توقف، بل لأن التطور عندنا جاء بالشعارات أكثر مما جاء بالإنجازات.


ورغم الثورة الهائلة في الهواتف والحواسيب والذكاء الاصطناعي، فإن المواطن ما يزال عاجزًا عن إجراء اتصال هاتفي بسيط، أو إرسال رسالة يطمئن بها على أسرته.


استبشر الناس خيرًا بوصول ستارلينك، وظنوها طوق النجاة الذي سينتشلهم من سنوات المعاناة مع الإنترنت الضعيف والانقطاعات المتكررة، لكن الصدمة كانت في الأسعار الباهظة التي جعلت الاشتراك الشهري حلمًا بعيد المنال، إذ يعادل راتب موظف محدود الدخل، وكأن هذه الخدمة أُنشئت لفئة معينة دون سواها.


لسنا نطالب بأن ننافس اليابان أو الولايات المتحدة أو فرنسا في تقنيات الاتصالات، ولا نحلم بسرعات خيالية؛ كل ما نريده هو خدمة مستقرة تتيح لنا التواصل مع أهلنا وأقاربنا وأصدقائنا، حتى ولو كان ذلك عبر هاتف بسيط ذي أزرار.


أكثر من شهر وعشرة أيام، أي أربعون يومًا، وأبناء التواهي يعيشون في عزلة شبه تامة بسبب انقطاع الاتصالات، دون تفسير واضح، أو حلول جادة، أو حتى اعتذار يخفف من معاناة الناس. فهل يُعقل أن يستمر هذا العبث دون مساءلة؟


لقد أصبح تطبيق «واتساب» الفقير المنقذ الوحيد الذي يعتمد عليه الناس في التواصل، في وقت كان يُفترض فيه أن تكون الاتصالات خدمة أساسية متاحة للجميع، لا معاناة يومية يبحث المواطن عن وسيلة بديلة لتجاوزها.