آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-01:22ص

لماذا تعزف نفوسنا عن القراءة العميقة؟

الخميس - 23 يوليو 2026 - الساعة 10:58 م
علوي سلمان


نخاف من الكتاب العميق لأننا نخاف من أنفسنا حين تُعرض على ضوءٍ لا يرحم. السهل الذي يتماشى مع مزاجنا وهوانا مريح لأنه لا يطالبنا بشيء. يمر على جراحنا بضمادة باردة، ويصفق لما نحب أن نكون عليه، لا لما نحن عليه فعلاً. أما الكتاب العميق فهو مرآة صقيلة تكسر كل ما بنيناه من أوهام حول ذواتنا، وتجبرنا على مواجهة عيوبنا دون مساحيق.

الخوف المعرفي هو أول الأبواب التي نغلقها في وجهه. نحن نتأنى في القراءة فنجد أنفسنا أمام قصورٍ فاضح في فهمنا لمسائل حسبناها منتهية، ودائرةً أغلقناها بإحكام. فإذا بالمعرفة المغايرة تطرق الباب وتقول لنا: ما توارثتموه من مبادئ وحتميات معيشية لم يكن وحياً لا يُمس، بل كان فهماً بشرياً ناقصاً قادكم إلى معرفة مبتورة وغير سوية. وحين نصل إلى الدين، وهو المنطقة الأكثر حساسية، ترتجف أيدينا أكثر. تكشف لنا القراءة المتأنية أن تديننا كان حركاتٍ رياضية نؤديها بإتقان، طقوساً بلا روح، شعائر بلا تزكية، ولا خشوع، ولا إنابة عميقة تهز القلب قبل أن تتحرك الجوارح. ونكتشف أن عاداتنا وتقاليدنا التي سميناها نجاتنا وطريقتنا المثلى، كانت في الحقيقة سلاسل نعتقد أنها زينة. فإذا بنا نعيش في تيهٍ وضلالة، وتخلف وعقم فكري وفلسفي، ونحن نحسب أننا على الجادة.

ثم يزحف الخوف الوجداني. القراءة العميقة لا تكتفي بهز العقل، بل تهز القلب أيضاً. تكشف لك اندفاع مشاعرك في مواقف لا تستحق كل هذا الاحتراق. تريك أنك أنفقت دموعك وأفراحك وغربتك وخوفك في غير موضعه، وأن مشاعرك التي وزعتها بسخاء بلا ميزان كانت إسرافاً أتعبك قبل أن يُسعدك. ولو أنك ادخرت بكاءك للحزن الذي يستحقه، وفرحك للفرح الذي يليق به، وغربتك للمعنى الذي يبررها، لكان ذلك أسلم لراحتك، وأحفظ لصحتك، وأرحم لجسدك الذي استنزفته الانفعالات بلا حساب. القراءة العميقة تعلمك أن العاطفة نعمة إذا وُضعت في موضعها، ونقمة إذا سُكبت بلا وعي.

وأقسى من هذا كله الخوف السلوكي. هنا يسقط القناع الأخير. يكشف لك الكتاب أنك مارست الغي والجهل بثوب الحماسة، وأن أفعالاً اقتحمتها ظناً أنها شجاعة كانت في الحقيقة تهوراً بلا غاية. غامرت بدنياً ورياضياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وفكرياً، وركضت خلف سرابٍ سميته هدفاً، ولم تحسب لنتائجه، ولم تسأل: ماذا بعد؟ فإذا بك تقف على أرض الواقع الفكري والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، ولا تجد تحت قدميك إلا فراغاً. عندها تظهر لك القراءة حقيقتك عارية: قصورك، وضعفك، وريبك، ومنّك على نفسك بإنجازات لم تحدث إلا في خيالك.

ولهذا نهرب. لا نهرب من الكتاب، بل نهرب من لحظة الاعتراف. نخاف من أن نكتشف أن الطمأنينة التي عشناها لم تكن يقيناً، بل كانت غفلةً مريحة صنعناها بأيدينا. نخاف من أن ندرك أننا كنا نعيش على هامش الحقيقة، نراكم الأيام ونظن أننا نراكم الحكمة، ونحن في الحقيقة نراكم الوهم. فهل الشجاعة الحقيقية أن نبقى في السهل الذي لا يوجع، أم أن نغوص في العمق الذي يفضحنا ثم يبنينا من جديد؟