اليمن أولاً
ليست ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 مجرد حدث سياسي غير نظام الحكم في مصر بل هي محطة تاريخية مفصلية أعادت تشكيل الوعي العربي ورسخت مفهوم الدولة الوطنية الحديثة وأطلقت مشروعا حضاريا تجاوز الحدود المصرية ليصل أثره إلى مختلف الأقطار العربية والإفريقية ولهذا فإن الاحتفاء بهذا اليوم ليس احتفاء بذكرى عابرة وإنما استحضار لقيم التحرر والكرامة والسيادة الوطنية التي أصبحت جزءا من الوجدان العربي
لقد جاءت الثورة في لحظة كانت فيها المنطقة تعيش تحت وطأة الاستعمار والاحتلال والتبعية فكان إعلانها بداية مرحلة جديدة انتقلت فيها مصر من دولة تبحث عن استقلالها الكامل إلى دولة تقود مشروعا عربيا للتحرر والتنمية والعدالة الاجتماعية ومن هنا اكتسبت ثورة يوليو مكانتها بوصفها واحدة من أهم الثورات في التاريخ العربي الحديث
إن ما يميز هذه الثورة أنها لم تقتصر على تغيير السلطة بل أحدثت تحولا عميقا في بنية الدولة والمجتمع فأعادت توزيع الفرص ورسخت مجانية التعليم ووسعت قاعدة العدالة الاجتماعية وأطلقت مشروعات قومية كبرى كان في مقدمتها السد العالي الذي أصبح رمزا لقدرة الإرادة الوطنية على صناعة الإنجاز رغم التحديات والضغوط الدولية
كما أن ثورة يوليو أعادت لمصر دورها الريادي في محيطها العربي والإفريقي فدعمت حركات التحرر الوطني وساندت الشعوب التي كانت تناضل من أجل استقلالها وأسهمت في ترسيخ فكرة التضامن العربي وأثبتت أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات بل بما تحمله من رسالة ورؤية وقدرة على التأثير
ولعل ما غاب عن كثير من المفكرين والمثقفين والمحللين أن القيمة الحقيقية لثورة الثالث والعشرين من يوليو لا تكمن فقط في تغيير نظام الحكم وإنما في قدرتها على بناء مشروع وطني متكامل جمع بين الاستقلال السياسي والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وبناء الإنسان وهي معادلة ما زالت تمثل درسا تاريخيا لكل دولة تسعى إلى النهوض الحقيقي
لقد كانت مصر بعد الثورة مدرسة في الإدارة الوطنية ومنارة للفكر والثقافة وحاضنة للعلم والعلماء ومركزا لصناعة القرار العربي ولذلك بقي تأثيرها حاضرا في الوعي الجمعي للشعوب العربية لأن الأمم لا تتذكر الثورات التي تغير الحكام فقط وإنما تتذكر الثورات التي تغير مسار التاريخ وتصنع مستقبلا جديدا لأبنائها
إن الاحتفال بذكرى الثالث والعشرين من يوليو هو احتفاء بقيم الإرادة الوطنية والإيمان بقدرة الشعوب على صناعة مستقبلها وهو تذكير للأجيال بأن الأوطان لا تبنى بالشعارات وإنما بالرؤية والقيادة والعمل والإخلاص وأن التاريخ لا يخلد إلا أولئك الذين جعلوا من أوطانهم مشروعا للنهضة والعزة والكرامة
وفي هذا اليوم العظيم نتوجه بالتحية إلى جمهورية مصر العربية قيادة وشعبا ونستحضر بكل فخر الدور التاريخي الذي قامت به مصر في الدفاع عن قضايا أمتها وإسهامها في بناء الإنسان العربي وصناعة الوعي وترسيخ مكانتها باعتبارها قلب الأمة النابض وركيزة أساسية لاستقرار المنطقة وستبقى ثورة الثالث والعشرين من يوليو علامة مضيئة في التاريخ العربي ليس لأنها غيرت وجه مصر فحسب بل لأنها منحت الأمة العربية الثقة بأنها قادرة على النهوض متى ما توفرت الإرادة الصادقة والقيادة الواعية والرؤية الوطنية رحم الله رجالها وحفظ الله مصر لتظل دائما حصنا للعروبة ومنارة للعلم والحضارة ورافعة لآمال الشعوب نحو مستقبل أكثر عزة وازدهارا.