آخر تحديث :الأربعاء-22 يوليو 2026-11:21م

حضرموت… بوابة الخليج إلى العالم الجديد

الأربعاء - 22 يوليو 2026 - الساعة 06:30 م
م. صالح بن سعيد المرزم


ليست الحروب الحديثة مجرد صراع على الأرض، بل أصبحت صراعًا على الممرات التي تتحكم في حركة الاقتصاد العالمي.


فالنفط، والغاز، وسلاسل الإمداد، والكابلات البحرية، والموانئ، لم تعد مجرد أدوات للتجارة، بل أصبحت أدوات للنفوذ السياسي والأمن القومي.


ولهذا، فإن ما يجري اليوم في البحر الأحمر وباب المندب يتجاوز كونه أزمة إقليمية، ليصبح جزءًا من معادلة دولية يعاد من خلالها رسم خريطة التجارة والاتصالات والطاقة في القرن الحادي والعشرين.


ولم يكن هذا التحول مفاجئًا.


فعندما كتبت «حوار الطرشان» في 27 أبريل 2026، أشرت إلى أن المنطقة دخلت مرحلة إدارة الصراع أكثر من البحث عن حله.


وفي 25 مايو 2026، أوضحت في «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» أن تفاصيل التفاوض، لا التصريحات السياسية، هي التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.


ثم جاء مقال «السعودية… وصناعة المستقبل» في 5 يوليو 2026 ليؤكد أن المملكة لا تتعامل مع الأحداث بمنطق ردود الأفعال، وإنما وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من الأمن والتنمية وجهين لعملة واحدة.


واليوم، تبدو تلك الرؤية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.


فالعالم يعتمد بشكل متزايد على البنية التحتية البحرية. وتشير تقديرات قطاع الاتصالات إلى أن الغالبية العظمى من حركة البيانات الدولية تنتقل عبر الكابلات البحرية، كما أن نسبة كبيرة من التجارة العالمية المنقولة بحرًا تعبر ممرات استراتيجية مثل البحر الأحمر وباب المندب. ولذلك فإن أي اضطراب في هذه المنطقة لا ينعكس على الإقليم وحده، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي، والأسواق المالية، والخدمات الرقمية، وسلاسل الإمداد.


ومن هنا، لم يعد السؤال: كيف نحمي الممرات الحالية؟


بل أصبح: كيف نبني ممرات أكثر أمنًا واستدامة؟


وهنا تبرز حضرموت.


فهي ليست مجرد امتداد جغرافي على بحر العرب، بل تمتلك موقعًا استثنائيًا يؤهلها لأن تكون جزءًا من منظومة إقليمية جديدة تقوم على الأمن والاستقرار والتنمية.


إن موقع حضرموت يمنحها ميزة لا تتكرر كثيرًا في الجغرافيا السياسية؛ فهي تطل على بحر العرب، وترتبط بعمقها الخليجي، وتقع في نقطة يمكن أن تتحول إلى عقدة لوجستية ورقمية تربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.


وفي هذا الإطار، تبرز مبادرات استراتيجية يجري العمل على استكمال إجراءاتها النظامية، تستهدف تطوير مسارات بديلة للبنية التحتية الرقمية، بما في ذلك مشاريع لمرور بعض الكابلات البحرية عبر مدينة المكلا، ثم امتدادها برًا عبر منفذ العبر إلى مدينة جدة.


وإذا اكتملت هذه المبادرات، فإنها لن تكون مجرد مشاريع اتصالات، بل ستؤسس لممر رقمي استراتيجي جديد يضيف طبقة إضافية من المرونة والأمان لشبكات الاتصال الدولية، ويعزز مكانة المملكة العربية السعودية وحضرموت في الاقتصاد الرقمي العالمي.


ولا يقتصر الأمر على الكابلات البحرية.


فالمنطقة تمتلك مقومات تؤهلها لتكون مركزًا متكاملًا للموانئ، ومراكز البيانات، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والصناعات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، وهو ما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها رؤية المملكة 2030، التي أعادت تعريف مفهوم التنمية بوصفها مشروعًا للأمن والاستقرار والازدهار.


إن التاريخ يعلمنا أن الدول التي سبقت غيرها لم تكن دائمًا الأكثر قوة عسكريًا، وإنما كانت الأكثر قدرة على قراءة المستقبل.


واليوم، يقف الخليج أمام فرصة تاريخية لبناء منظومة جديدة، لا تعتمد فقط على حماية الممرات القائمة، بل على إنشاء بدائل أكثر كفاءة وأمانًا، تضمن استمرار حركة التجارة والبيانات والطاقة مهما تغيرت الظروف.


ولهذا فإن حضرموت لم تعد تُقرأ باعتبارها ملفًا محليًا، بل أصبحت عنصرًا استراتيجيًا في معادلة الأمن الاقتصادي الخليجي.


إن القرن الحادي والعشرين لن يكون قرن من يسيطر على الأرض فقط، بل قرن من يسيطر على الموانئ، والكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والممرات التجارية، وسلاسل الإمداد.


ومن يدرك هذه الحقيقة مبكرًا… سيكون هو من يصنع المستقبل.