ليس كل من بلغ الستين قد عاش ستين عامًا، وليس كل من رحل مبكرًا عاش عمرًا قصيرًا. فالعمر لا يُقاس بعدد السنوات التي نعبرها، بل بعدد المرات التي شعرنا فيها أننا أحياء.
نستيقظ كل صباح، نكرر الوجوه ذاتها، والطرقات ذاتها، والهموم ذاتها، حتى تتحول الأيام إلى نسخ متشابهة، ويصبح الزمن مجرد أرقام تتساقط من التقويم، بينما أرواحنا عالقة في المكان نفسه، تنتظر شيئًا لا تعرف اسمه.
الغريب أن الإنسان يقضي نصف حياته وهو يستعد للعيش. يدرس ليعيش، ويعمل ليعيش، ويدخر ليعيش، ويؤجل أحلامه ليعيش، ثم يكتشف في النهاية أن الحياة لم تنتظره يومًا، وأنها كانت تمضي بينما كان منشغلًا بالاستعداد لها.
كم من أمنية دفناها بحجة أن الوقت لم يحن، وكم من كلمة جميلة أخفيناها لأن المناسبة لم تأتِ، وكم من قلبٍ أحببناه بصمت حتى سبقنا الفراق إليه. نحن لا نخسر الأشياء دائمًا لأنها مستحيلة، بل لأننا أخرناها حتى تجاوزها الزمن.
لقد أقنعنا هذا العصر أن قيمة الإنسان فيما يملك، لا فيما يشعر، وفيما ينجز، لا فيما يعيش. فأصبحنا نطارد الأيام حتى نسينا أن نتأملها، ونلهث خلف الغد حتى أضعنا اليوم، ونحسب أعمارنا بالسنوات، بينما الحقيقة أنها تُحسب باللحظات التي لامست فيها أرواحنا معنى الحياة.
والمؤلم أن أكثر ما يستهلك العمر ليس التعب، بل الانتظار؛ انتظار الفرج، وانتظار الوظيفة، وانتظار الاستقرار، وانتظار أن تتغير الظروف، حتى يتحول الانتظار نفسه إلى حياة كاملة، ونكتشف متأخرين أننا لم نكن نعيش... بل كنا نؤجل الحياة.
ليس أخطر ما يواجه الإنسان الموت، بل أن يصل إلى آخر الطريق وهو يشعر أنه كان حاضرًا بجسده، غائبًا بروحه، وأن سنواته الطويلة لم تكن سوى وقودٍ لأيامٍ لم تمنحه فرصة أن يحيا كما كان يتمنى.
فاحذروا أن تتحول أعماركم إلى سجلٍ طويل من التأجيل، وإلى ذاكرةٍ مزدحمة بما كان يمكن أن يكون. فالسنون لا ترحم، والزمن لا يعود، والحياة لا تمنح أحدًا نسخةً أخرى ليبدأ من جديد.
ولهذا... ليست المأساة أن تنتهي الحياة، بل أن تنتهي قبل أن نعيشها.
فكم من أعمارٍ تُستهلك... وقليلٌ منها ما يُعاش.
✍️ سارة عبد الحكيم