آخر تحديث :الثلاثاء-01 سبتمبر 2026-08:36ص

جيش التحرير الشعبي الصيني... من جيش الثورة الى قوة القرن الحادي والعشرين

الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - الساعة 06:07 م
د.فائزة عبدالرقيب سلام


بمناسبة الذكرى التاسعة والتسعين لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني، تتجدد القراءة في تجربة واحدة من ابرز المؤسسات العسكرية التي استطاعت أن تواكب نهضة الدولة الصينية، وتتحول من جيش للثورة الى احد اعمدة القوة الوطنية في القرن الحادي والعشرين، في نموذج يجسد العلاقة الوثيقة بين قوة الدولة، والتنمية، والأمن، والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.


وعندما يتحدث العالم عن صعود الصين، تتجه الأنظار غالباً الى اقتصادها العملاق، وانجازاتها العلمية، وقفزاتها التكنولوجية. غير أن هذا الصعود لم يكن نتيجة الاقتصاد وحده، بل ارتبط ايضاً بالتحول العميق الذي شهدته مؤسستها العسكرية، باعتبارها احدى ركائز مشروع الدولة الصينية الحديثة.


تأسس جيش التحرير الشعبي الصيني عام 1927 في ظروف اتسمت بالصراع والتحديات، وكانت مهمته الاساسية انذاك دعم مسيرة الثورة، وتوحيد البلاد، وترسيخ أسس الدولة الحديثة. ومع قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949، دخل الجيش مرحلة جديدة تجاوزت مفهوم الانتصار العسكري الى الاسهام في بناء الدولة الحديثة، ليصبح شريكاً في حماية الاستقرار الوطني ودعم مسيرة التنمية.


ومع انطلاق سياسة الاصلاح والانفتاح، ادركت القيادة الصينية أن مكانة الدولة في النظام الدولي لن تتحقق بالاقتصاد وحده، وأن القوة العسكرية يجب أن تتطور بالتوازي مع النهضة الاقتصادية والعلمية. ومن هنا بدأت عملية تحديث شاملة شملت اعادة هيكلة القوات المسلحة، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة، والاستثمار في البحث العلمي، وبناء قدرات متقدمة في المجالات البحرية والجوية والفضائية والسيبرانية، إلى جانب ادماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في المنظومة الدفاعية.


ولم يعد دور جيش التحرير الشعبي يقتصر على حماية الحدود، بل اصبح اداة استراتيجية لحماية الأمن القومي، وتأمين المصالح الاقتصادية، وصون الممرات البحرية الحيوية، والاسهام في تعزيز الاستقرار الاقليمي والدولي، في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتصاعد فيه المنافسة في مجالات التكنولوجيا والأمن.


وأبرز ما يميز التجربة الصينية هو أن تحديث المؤسسة العسكرية لم يكن هدفاً قائماً بذاته، بل جاء منسجماً مع مشروع وطني طويل المدى، يقوم على التكامل بين التنمية والابتكار والأمن. فكل تقدم اقتصادي يحتاج الى بيئة مستقرة، وكل استقرار مستدام يحتاج الى مؤسسات وطنية قوية قادرة على حماية الدولة ومصالحها وفق رؤية وطنية طويلة الأمد.


وفي الوقت الراهن، الذي يشهد فيه العالم سباقاً متسارعاً في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والفضاء، والطائرات المسيرة، لم تعد قوة الجيوش تقاس بعدد الجنود او حجم الترسانة العسكرية فحسب، بل بقدرتها على استيعاب المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وامتلاك الكفاءة المؤسسية، والقدرة على التكيف مع طبيعة التهديدات الجديدة.


إن تجربة جيش التحرير الشعبي الصيني تؤكد أن قوة الجيوش لا تبنى بالسلاح وحده، بل تبنى كذلك على العلم، والتكنولوجيا، وكفاءة المؤسسات، ووضوح الرؤية الوطنية. وعندما تتكامل هذه العناصر، تصبح المؤسسة العسكرية ركيزة لحماية السيادة، وصون مكتسبات التنمية، والإسهام في ترسيخ السلام والاستقرار. ومن هذا المنطلق، اصبح جيش الصين الحديث والمتطور من اكثر الجيوش استعداداً لمواجهة تحديات المستقبل، واكثرها قدرة على توظيف القوة في حماية التنمية وتعزيز الاستقرار، في عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد آخر.