آخر تحديث :الثلاثاء-15 سبتمبر 2026-12:32م

عودة صادرات النفط والغاز: استعادة الوظائف الاقتصادية للدولة

الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - الساعة 04:32 م
نايف حمود العزي


أعاد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي استئناف صادرات النفط والغاز ملف التعافي المالي إلى واجهة النقاش الاقتصادي، ولا ترتبط أهمية هذه الخطوة بالإيرادات المتوقعة وحدها، وإنما بالدور الذي تؤديه هذه الإيرادات داخل الاقتصاد. فقد أضعفت سنوات الحرب انتظام المورد السيادي الرئيس للدولة، فتراجعت قدرة المالية العامة على إدارة الإنفاق، وانكمش أثرها في النشاط الاقتصادي، وضعفت أدوات السياسة النقدية في التعامل مع الاختلالات المتراكمة.

ومن هذا المنظور، تمثل عودة الصادرات فرصة لإعادة تشغيل الوظائف الاقتصادية التي يعتمد عليها عمل الدولة، ويظهر أثر ذلك في إدارة المالية العامة، والاقتصاد المعيشي، والسياسة النقدية، وهي المجالات التي تحدد اتجاه التعافي المالي أكثر من أي رقم يعكس حجم الإيرادات وحده.

أولًا: استعادة وظيفة المالية العامة

اعتمدت الموازنة اليمنية، قبل الحرب، على النفط والغاز في تمويل أكثر من 60% من إيراداتها العامة. ومع تراجع الصادرات خلال سنوات الصراع، فقدت المالية العامة موردها الأكثر استقرارًا، واتسعت الفجوة بين الالتزامات والموارد، وأصبحت إدارة الإنفاق محكومة بقيود التمويل أكثر من أولويات السياسة الاقتصادية.

وتسمح عودة الصادرات باستعادة جزء من هذه القدرة، لأنها توسع الموارد الذاتية، وتحسن مرونة الموازنة، وتمنح الحكومة مساحة أوسع لإدارة التزاماتها بعيدًا عن المعالجات التمويلية المؤقتة.

ثانيًا: إعادة وصل الدورة الاقتصادية

تتجاوز آثار الإيرادات النفطية حدود الموازنة العامة، لأنها تمثل نقطة البداية في دورة اقتصادية تشمل الرواتب، والخدمات، والإنفاق الحكومي، ثم تنتقل إلى الأسواق عبر الاستهلاك والاستثمار. وقد أدى اضطراب هذا المورد خلال سنوات الحرب إلى إضعاف هذه الدورة، فتراجع أثر الإنفاق العام في النشاط الاقتصادي، واتسعت الفجوة بين المالية العامة والاقتصاد المعيشي.

وتعيد الصادرات المنتظمة تنشيط هذه الحلقة عندما تتحول الإيرادات إلى تدفقات مالية مستقرة داخل الاقتصاد، بما يعزز الطلب المحلي ويحسن قدرة الدولة على تمويل وظائفها الأساسية.

ثالثًا: استعادة فاعلية السياسة النقدية

يشكل النفط والغاز المصدر الرئيس للنقد الأجنبي، ولذلك ينعكس انتظام الصادرات مباشرة على قدرة البنك المركزي في إدارة الاحتياطيات، وتأمين الواردات، والحد من تقلبات سوق الصرف.

وتمنح زيادة التدفقات الخارجية السياسة النقدية أدوات أكثر فاعلية في إدارة السيولة وتعزيز الثقة بالعملة الوطنية. ويزداد أثر هذه الأدوات كلما تكاملت إدارة الموارد النفطية مع أهداف الاستقرار النقدي، بحيث تتحول الإيرادات إلى عنصر دعم لاستقرار السوق، وليس مجرد زيادة في المعروض من العملات الأجنبية.

الخاتمة

تمثل عودة صادرات النفط والغاز بداية لاستعادة مورد سيادي ظل يمثل العمود الفقري للمالية العامة اليمنية، غير أن القيمة الاقتصادية لهذه العودة تتحدد بالوظائف التي تستعيدها الدولة من خلالها، لأن الإيرادات لا تنتج التعافي بذاتها، وإنما من خلال انتقالها إلى الموازنة، والأسواق، والسياسة النقدية.

وتبقى هذه الفرصة رهينة بقدرة المؤسسات المالية على إبقاء الإيرادات داخل الدورة الاقتصادية الرسمية، بحيث تتحول إلى استقرار مالي ونقدي، بدلاً من أن تنجذب مجددًا إلى مسارات الريع والاختلالات التي توسعت خلال سنوات الحرب، وعند هذه النقطة فقط يمكن الحديث عن انتقال الاقتصاد من إدارة الأزمة إلى استعادة وظائفه الأساسية.