من الصعب أن تقرأ فصول التاريخ العربي والإسلامي دون أن تتوقف طويلًا أمام اسم يافع هذه الجغرافيا الجبلية الصلبة في جنوب شبه الجزيرة العربية لم تكن يومًا مجرد حيز مكاني بل كانت ولا تزال مصنعًا للرجال و للهجرات الكبرى ومنطلقًا لرجالٍ سطروا بدمائهم وعقولهم أمجادًا تجاوزت حدود الجغرافيا وحين نخط هذه السطور فإننا لا ندعي إحاطةً كاملةً بتاريخٍ ضاربٍ في الجذور بل هي مجرد لمحة خاطفة وإطلالة موجزة على سفرٍ ضخم من الأمجاد وإشارات عابرة لأثر قبيلةٍ لا تغيب عنها الشمس فحيناً تراها رافعةً لراية الفتوحات وحيناً قابضةً على زمام الحكم وأحياناً أخرى عصبًا محركًا للتجارة العالمية .
لم يكن أبناء يافع مجرد عابري سبيل في تاريخ الأمة بل كانوا في طليعة جيوش الفتوحات الإسلامية الأولى سُجلت أسماؤهم بحروف من نور في فتح مصر والشام والمغرب العربي والأندلس وحملوا لواء القيادة والجسارة .
ولم يتوقف هذا المد عند حدود الجندية بل تحول الأثر اليافعي إلى عمق سياسي وحكم مباشر في مناطق شتى ولعل الدولة اليافعية في حضرموت ((سلطنة القعيطي )) وإسهامهم السياسي الكبير في ظفار وصولاً إلى تأسيس إمارة حيدر آباد في الهند على يد آل كاف والعديد من البيوت اليافعية خير دليل على أن هذه القبيلة تملك جينات القيادة وإدارة الدول حيث تحول المقاتل اليافعي المهاجر هناك من حامٍ للثغور إلى صانعٍ للملوك والحكام .
حين وضعت الحروب أوزارها في بعض المراحل التاريخية لم تنطفئ شعلة الحيوية اليافعية بل تحولت نحو الإعمار والتجارة امتلك اليافعيون عقلية اقتصادية فذة قائمة على الصدق والجلد والقدرة العجيبة على التأقلم مع المجتمعات الجديدة دون الذوبان فيها أو فقدان الهوية الأصلية .
اليوم إذا جلت في دول الخليج العربي أو أسواق شرق آسيا (إندونيسيا ماليزيا وسنغافورة الصين ) أو حتى في كبريات عواصم الغرب في تركيا بريطانيا وأمريكا ستجد لليافعيين أثراً اقتصادياً وازناً شركات عملاقة ومؤسسات تجارية كبرى وعقارات تؤثر في المشهد الاقتصادي المحلي والعالمي إنهم لا يدخلون أرضاً إلا ويتركون فيها بصمة إنتاجية محولين الغربة إلى ساحة نجاح وبناء .
السر الكامن وراء هذا الحضور الدائم لليافعيين عبر العصور يكمن في توليفة فريدة صلابة المنشأ ومرونة العقل جبال يافع الشامخة أورثت أبناءها الصبر والقوة والاعتماد على الذات وحين انطلقوا في أصقاع الأرض حملوا معهم هذه القيم مضافاً إليها قيم الأمانة وحب العمل .
يافع ليست مجرد قبيلة بل هي مدرسة في الانتشار الإنساني تبدأ بالهجرة فالتوطن ثم القيادة أو الريادة الاقتصادية .
ستبقى يافع حاضرة في تفاصيل التاريخ الإنساني، لأن أثرها لم يُكتب بالحبر على الورق بل كُتب بالجهد والدماء والعرق في كل أرض وطئتها أقدام أبنائها من قادة في جيوش الفتوحات إلى سلاطين وأمراء في بلاد السند والهند إلى رجال أعمال يحركون أسواق المال اليوم تظل يافع شمسًا لا تغيب وإرثًا حيًا يتجدد مع كل جيل .