آخر تحديث :الثلاثاء-28 يوليو 2026-12:20ص

المنظومات الشمسية والري بالغمر... معادلة تهدد مستقبل الزراعة في أبين

الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - الساعة 11:54 ص
م. عبدالقادر خضر السميطي


رؤية لحماية الموارد المائية واستدامة الزراعة في دلتا أبين

قد نستطيع تعويض كثير من الموارد، لكننا لن نستطيع تعويض قطرة ماء واحدة إذا استنزفناها. فالماء هو سر الحياة، وأساس الزراعة، وأمانة في أعناقنا تجاه الأجيال القادمة.

هذه ليست دعوة للحد من التنمية الزراعية، ولا اعتراضا على زراعة الموز أو استخدام المنظومات الشمسية، وإنما هي دعوة صادقة إلى إدارة مواردنا المائية بعقلانية ومسؤولية. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بزيادة المساحات المزروعة وحدها، بل بقدرتنا على تحقيق إنتاج وفير مع الحفاظ على الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها المياه.

لقد عُرفت دلتا أبين عبر تاريخها بأنها واحدة من أهم السهول الزراعية في اليمن، واستمرت في العطاء بفضل نظام دقيق لتوزيع مياه السيول، ولوائح للري حفظت حقوق المزارعين وحققت العدالة في توزيع المياه. واليوم، ومع تزايد الضغوط على الموارد المائية، أصبح من الضروري تطوير وسائل الري، والحد من الهدر، وربط التوسع الزراعي بقدرة الموارد المائية على الاستدامة.


الموز بين الجدوى الاقتصادية وكلفة المياة


لا خلاف على أهمية الموز كمحصول اقتصادي، لكنه في المقابل يُعد من أكثر المحاصيل استهلاكا للمياه. ولذلك فإن التوسع غير المدروس في زراعته داخل دلتا أبين يعني استنزافا لمورد هو الأغلى على الإطلاق.

إن القضية ليست معارضة لزراعة الموز، وإنما الدعوة إلى تحقيق التوازن بين الجدوى الاقتصادية والحفاظ على المياه، حتى لا يكون التوسع في محصول واحد سببا في حرمان بقية المزارعين من حقوقهم المائية.

ولهذا جاءت لوائح الري في دلتا أبين، التي توارثتها الأجيال، لتنظم استخدام مياه السيول وتحقق العدالة بين الجميع، ومن أهم مبادئها عدم استخدام مياه السيول لري مزارع الموز أكثر من مرة، حتى تصل المياه إلى جميع الأراضي الزراعية.


المنظومات الشمسية... نعمة تحتاج إلى إدارة رشيدة


لقد أسهمت المنظومات الشمسية في تخفيف تكاليف الضخ وزيادة القدرة على استغلال المياه الجوفية، إلا أن استمرار استخدام الري بالغمر بعد تركيبها أدى في كثير من المناطق إلى استنزاف المياه بوتيرة متسارعة.

مما أدى إلى تدهور وجفاف مزارع الموز بشكل كبير جدا

فالمشكلة ليست في المنظومة الشمسية، وإنما في غياب الإدارة الرشيدة للمياه. فالطاقة الشمسية ينبغي أن تكون وسيلة لترشيد الإنتاج الزراعي، لا وسيلة لزيادة استنزاف المخزون الجوفي.


الآبار السطحية في مواجهة الجفاف


إن معظم الآبار الموجودة في مناطق أعلى ووسط الدلتا التي تضررت من الجفاف هي آبار سطحية تعتمد على مخزون مائي محدود، ولذلك فإن الضخ المستمر مع الري بالغمر يؤدي إلى انخفاض منسوب المياه وجفاف هذه الآبار خلال فترة وجيزة.

ومن هنا، فإن استخدام وسائل الري الحديثة لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة وطنية واقتصادية، لأنه يقلل استهلاك المياه، ويحافظ على المخزون الجوفي، ويضمن استمرار توفر المياه للمزارعين.


دروس من أسفل دلتا أبين


ومن الشواهد الميدانية الجديرة بالدراسة أن مزارع الموز في أسفل دلتا أبين لم تتأثر بالجفاف بالشكل الذي شهدته مناطق أخرى، رغم عدم وصول مياة السيول إليهم وهو ما يؤكد أن حسن إدارة الموارد المائية وتوفرها يحدثان فرقا كبيرا. وهذه التجربة تستحق الدراسة للاستفادة منها في وضع سياسات مائية أكثر كفاءة واستدامة.


المياه مسؤولية الجميع


علينا أن ندرك أن المياه ليست ملكا لفرد أو لمزرعة، بل هي ثروة وطنية وحق مشترك لكل أبناء المجتمع، وللأجيال القادمة. ومن واجبنا أن نحافظ عليها، وأن نرفض هدرها، وأن نتجه إلى تقنيات الري الحديثة التي تحقق إنتاجا أفضل باستهلاك أقل للمياه.

وقد سبقنا الإسلام إلى هذا المبدأ العظيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تُسرف في الماء ولو كنت على نهر جارٍ، وهي رسالة تؤكد أن ترشيد المياه واجب ديني وأخلاقي قبل أن يكون ضرورة زراعية.


اسمحوا لي أن أضع بين أيديكم

مقترحات قد تكون عملية...

ربط دعم المنظومات الشمسية بإلزام المستفيدين باستخدام تقنيات الري الحديثة.

الحفاظ على لوائح الري التاريخية وتطبيقها بما يحقق العدالة في توزيع مياه السيول.

-الحد من التوسع في زراعة المحاصيل الشرهة للمياه في المناطق محدودة الموارد.مثل الموز

تنظيم استخراج المياه الجوفية ومراقبة معدلات الضخ.

نشر الوعي بين المزارعين بأن المياه مورد عام يجب الحفاظ عليه.

إعداد استراتيجية متكاملة لإدارة الموارد المائية في دلتا أبين، تقوم على الاستدامة والعدالة وكفاءة الاستخدام.


في الاخير علينا أن نقول بكل شفافية

إن مستقبل الزراعة في دلتا أبين لن تصنعه كثرة الآبار، ولا عدد المنظومات الشمسية، بل تصنعه الإدارة الحكيمة للمياه، والالتزام بلوائح الري، والتوسع في استخدام تقنيات الري الحديثة. فكل قطرة ماء نحافظ عليها اليوم هي استثمار في أمننا الغذائي، وضمان لاستمرار الزراعة، وحفظ لحق الأجيال القادمة في هذا المورد الذي لا بديل له.