رائد عابد ▪️
لم يكن تتويج المنتخب الإسباني بلقب كأس العالم 2026 مفاجأة، كما أنه لم يكن نتاج مباراة واحدة أو هدف سجله فيران توريس في النهائي أمام الأرجنتين. ما تحقق في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك كان حصيلة سنوات من العمل الهادئ، والتخطيط المدروس، والإيمان بأن صناعة البطل تبدأ من بناء المشروع، لا من جمع النجوم.
في المباراة النهائية، قدم المنتخب الإسباني صورة متكاملة لفريق يعرف ماذا يريد. سيطر على مجريات اللعب، وضغط بثقة على المنتخب الأرجنتيني معظم فترات اللقاء، حتى جاءت الدقيقة (106) لتمنح فيران توريس فرصة كتابة النهاية السعيدة، ويمنح منتخب بلاده اللقب العالمي الثاني بعد إنجاز مونديال 2010.. لكن الهدف لم يكن سوى المشهد الأخير في قصة بدأت قبل سنوات.
لويس دي لا فوينتي لم يبنِ منتخبًا يعتمد على الحلول الفردية، بل كوّن منظومة كروية متماسكة، تقوم على الانضباط التكتيكي، والاستحواذ الذكي، والضغط الجماعي، والثقة الكاملة بجيل شاب أثبت أنه لا يخشى المباريات الكبرى ولا رهبة النهائيات.
واللافت أن هذا المنتخب لم ينتظر حتى يكتمل نضج لاعبيه. فقد منحهم المسؤولية مبكرًا، وآمن بقدراتهم، حتى أصبح لامين يامال، وهو في التاسعة عشرة من عمره، أحد أبرز نجوم البطولة، بينما كان إيمريك لابورت، البالغ من العمر 31 عامًا، أكبر لاعبي التشكيلة الأساسية سنًا. إنها رسالة واضحة بأن العمر ليس معيارًا للنجاح، وإنما الكفاءة والجاهزية والثقة.
في المقابل، لا تزال منتخبات كثيرة تبحث عن البطل الذي يحملها إلى الألقاب، بينما أثبتت إسبانيا أن الفريق هو البطل الحقيقي. فالنجوم يصنعون الفارق في لحظات، أما المشروع فيصنع الفارق لسنوات.
لقد استعادت إسبانيا لقبها العالمي بعد ستة عشر عامًا من تتويجها الأول، لكنها استعادت معه أيضًا هويتها الكروية التي طالما ميزتها: كرة قدم جماعية، وشخصية قوية، وثقة بالنفس، وقدرة على فرض أسلوب اللعب أمام أقوى المنافسين.
إن الدرس الأهم الذي يقدمه مونديال 2026 لا يتعلق بإسبانيا وحدها، بل بكل من يسعى إلى صناعة النجاح. فالمنتخبات لا تُبنى قبل أشهر من البطولة، ولا تُصنع بالأسماء اللامعة أو ردود الفعل السريعة، وإنما برؤية واضحة، واستقرار فني، وعمل طويل المدى، وإيمان حقيقي بالشباب.
ولهذا، فإن إسبانيا لم تفز بكأس العالم لأنها امتلكت أفضل لاعب، بل لأنها امتلكت أفضل مشروع. وعندما ينتصر المشروع، يصبح التتويج نتيجة طبيعية، لا مفاجأة.
▪️إعلامي يمني