آخر تحديث :الثلاثاء-21 يوليو 2026-09:51ص

رجل البر والإحسان حسين محمد شلوة: حين تتحدث الأعمال... يصمت الإعلام

الإثنين - 20 يوليو 2026 - الساعة 07:04 م
‫د.علي صالح الخلاقي‬‎


هناك رجال لا يحتاجون إلى ترويج إعلامي كي تُعرف أسماؤهم، ولا إلى حملات دعائية كي تتصدر صورهم واجهات الأخبار، لأن أعمالهم هي التي تتحدث عنهم، وصنيعهم في الناس هو الذي يكتب سيرتهم في القلوب قبل أن تُكتب في الصحف. ومن هؤلاء رجل الأعمال والخير الشيخ حسين محمد شلوة، الذي استطاع أن يصنع لنفسه مكانة رفيعة في وجدان الناس بما قدّمه من أعمال البر والإحسان، لا بما أنفقه على الدعاية أو البحث عن الشهرة.

لقد زرع محبته في نفوس الناس على مدى سنوات طويلة، فسقاها بعطائه الصادق، حتى أينعت تقديراً ودعاءً وثناءً جميلاً. وما أجمل أن يكون الإنسان معروفاً بين الناس بكرمه، وأن يكون أمله فيما عند الله أعظم من كل ثناء أو مديح.

اليوم، وبينما كنت أزور مستشفى عدن الخيري، قادتني قدماي إلى مركز القلب بالمستشفى، حيث استوقفتني لوحة بسيطة في شكلها، لكنها عظيمة في معناها ودلالتها. فقد حملت إعلاناً عن المخيم الطبي الخامس للقسطرة القلبية الذي أُقيم في مركز القلب للأمراض وجراحات القلب والقسطرة، بتمويل كريم من مؤسسة الشيخ حسين محمد شلوة الخيرية، خلال الفترة من 20 إلى 25 يونيو الماضي، تحت شعار " 500 قلب ينبض بالأمل"، في إشارة إلى عدد عمليات القسطرة المجانية التي جرت في أيام المخيم على أيدي اطباء اختصاصيين.

وقفت أمام تلك اللوحة طويلاً، ولم أنظر إليها باعتبارها مجرد إعلان عن نشاط طبي انتهى، بل رأيتها شاهداً حياً على أيادٍ بيضاء امتدت لتنقذ الأرواح، وتخفف معاناة المرضى، وتمنح الأمل لعشرات الأسر التي كانت تترقب علاجاً قد تعجز عن تحمل تكاليفه.

كم من مريض قلب عاد إلى منزله معافى بفضل هذا المخيم؟ وكم من أم أو أب أو طفل عادت إليه البسمة بعدما كان ينتظر عملية أو قسطرة قد تحول بينه وبينها ضيق ذات اليد؟ إن مثل هذه الأعمال لا تُقاس بالأرقام، وإنما تُقاس بحجم الألم الذي أزالته، والدعوات الصادقة التي خرجت من قلوب المرضى وذويهم.

وليس هذا المخيم سوى حلقة من سلسلة طويلة من المبادرات الإنسانية التي اعتاد الشيخ حسين بن شلوة على تنفيذها، سواء في المجال الصحي أو غيره، دون أن يصاحبها ضجيج إعلامي أو استعراض للمنجزات. فهو يؤمن بأن الصدقة كلما اقتربت من الإخلاص ابتعدت عن الرياء، وأن خير العمل ما كان خالصاً لوجه الله تعالى.

وقد تذكرت وأنا أغادر المستشفى أن هذه ليست المرة الأولى التي أصادف فيها بصمات هذا الرجل الكريم. ففي أكثر من مكان ترى أثراً من آثار عطائه، وكأن الخير الذي يقدمه يسبقه إلى الناس، بينما يتأخر هو عن الظهور، فلا يبحث عن عدسات المصورين ولا عن عناوين الصحف، وإنما يترك أعماله تتحدث عنه.

ومن أبرز تلك الشواهد جامع الرحمن في مديرية المنصورة، ذلك الصرح الإسلامي الجميل الذي يزين الأفق بمناراته الأربع، ويرتفع منه الأذان خمس مرات في اليوم، شاهداً على صدقة جارية كتب الله لها أن تبقى ما بقي المسجد عامراً بالمصلين. ولم يقتصر عطاؤه على بناء المسجد، بل حرص على تجهيزه بكل ما يحتاج إليه المصلون من وسائل الراحة، من فرش فاخر، وأنظمة تكييف متكاملة، ومرافق تيسر أداء العبادة، حتى أصبح المسجد ملاذاً للمصلين، خاصة في أيام الصيف اللاهبة التي تعرف بها مدينة عدن.

وإذا انتقلت إلى مناطق أخرى، وجدت مشاريع خيرية تحمل بصمته، دون أن تحمل لافتات كبيرة باسمه. فهناك من استفاد من علاج، وهناك من وجد فرصة تعليم، وهناك من أُعين على بناء مسجد، وهناك من امتدت إليه يد العون في ساعة الشدة، حتى أصبح اسمه يقترن في أذهان الناس بكل عمل خير يصل إليهم.

ومن أعظم بصماته، مساهماته الكريمة في عتق الرقاب ، فبضله كُتبت الحياة لأشخاص كانوا على مشارف تنفيذ القصاص. وهي من أجلِّ أعمال البر، لأنها تجمع بين إنقاذ النفس، وإصلاح المجتمع، وإطفاء نار الفتنة، وإحياء قيم التسامح والعفو.

واللافت في كل ذلك أن عطاءه لم يكن يوماً محصوراً في منطقة أو قبيلة أو فئة اجتماعية بعينها، بل كان خيره عاماً، يصل إلى الجميع دون تمييز، لأن العمل الخيري الحقيقي لا يعرف المناطقية ولا العصبية، وإنما يعرف الإنسان المحتاج أينما كان.

ولم تغب بصماته عن ميدان التربية والتعليم، ففي الوقت الذي يعيش فيه المعلمون ظروفاً معيشية صعبة، نجده له لفتة إنسانية في تخفيف معاناة كثيرين منهم. ويكفي أن نذكر مكرمته لتكريم معلمي مديرية سرار بيافع، التي تركت أثراً بالغاً في نفوسهم، لما حملته من تقدير لمكانة المعلم ورسالة التعليم، ولما خففته من أعباء الحياة عنهم.

ولعل أجمل ما يميز الشيخ حسين بن شلوة أنه لم يكتفِ بإعطاء المحتاجين المال، بل ساعد كثيراً من الشباب على بناء مستقبلهم، وهيأ لهم فرص العمل، وأخذ بأيديهم حتى أصبح عدد منهم رجال أعمال ناجحين يعتمدون على أنفسهم. وهذه مرتبة أعلى من مجرد المساعدة؛ لأنها تصنع الإنسان القادر على الإنتاج والعطاء.

ورغم أنني لم أتشرف بلقائه شخصياً، فإنني منذ سنوات طويلة أسمع من مختلف الناس، وعلى الأخص من صديقي أبو وائل البكري، شهادات متطابقة عن أخلاقه الرفيعة، وكرمه، وتواضعه، وحرصه على قضاء حوائج الناس. وعندما تتكرر الشهادة من أشخاص لا تجمعهم مصلحة، فإنها تتحول إلى حقيقة راسخة تؤكد أن الرجل قد كسب محبة الناس بإحسانه قبل أي شيء آخر.

وحين رأيت صورته تتصدر واجهة مركز القلب في مستشفى عدن الخيري، بابتسامته الهادئة ووجهه البشوش، شعرت أن من الواجب أن أكتب هذه الكلمات، لا من باب المجاملة، وإنما من باب الإنصاف، فالمجتمعات الحية بحاجة إلى أن تبرز نماذج الخير والعطاء، وأن تسلط الضوء على الشخصيات التي تجعل من المال وسيلة لخدمة الإنسان، لا وسيلة للتفاخر والاستعراض.

إن الحديث عن أمثال الشيخ حسين محمد شلوة ليس مدحاً لشخصه فحسب، بل هو دعوة لترسيخ ثقافة البذل والعطاء، وتشجيع رجال المال والأعمال على أن يجعلوا جزءاً من نعم الله التي أفاضها عليهم في خدمة الفقراء والمرضى والطلاب، وفي بناء المساجد، ودعم التعليم، ورعاية المشاريع الصحية والإنسانية.

نسأل الله تعالى أن يجزي الشيخ حسين محمد شلوة خير الجزاء، وأن يجعل كل ما قدمه من صدقات ومشاريع خيرية في ميزان حسناته، ولأمثاله تُرفع القبعات.