يا وطنًا ضاع حتى ضاعت الجهات إليه، وغاب حتى صار الغياب عنوانًا عليه...
أأناديك أم أنادي بقاياك؟
أأبكيك أم أبكي نفسي التي أضاعت عمرها وهي تُفتِّش عنك بين الخرائب والرماد؟
ما عدت أدري...
أهذا الذي يملأ الخرائط وطنٌ؟ أم أن الوطن كان شيئًا آخر؛ كان وجه أمٍّ تبتسم، ورائحة خبزٍ تتصاعد مع الفجر، وصوت مؤذنٍ يعرف أسماء الفقراء، وظلَّ شجرةٍ يتسع للغريب قبل القريب؟
يا وطني...
لقد سرقوك من أبنائك، ثم تركوا أبناءك يتقاتلون على أطلالك؛ حتى صار الحجر أحنَّ من البشر، وصار الصمت أصدق من الخطب، وصارت الدموع أبلغ من كل ما قيل على المنابر.
أمشي إليك...
فتتقدمني المقابر، وتتبعني الخيبات، ويصافحني الغبار، كأن الطريق إليك لا يُعبَّد إلا بالعمر، ولا يُضاء إلا بأرواح العاشقين.
كلما قلت: ها قد اقترب الصباح، أطلَّ ليلٌ آخر، وكلما ظننت أن الجرح نام، استيقظت فيه ألف سكين.
يا وطنًا...
علَّمتنا أن النخيل يموت واقفًا، فإذا برجالك يُقتلعون، وعلماؤك يُقصَون، وأهل الكفاءة يُنفون، ويبقى على العروش من لا يعرف من الوطن إلا اسمه، ولا من المجد إلا ثوبه.
حتى الأنهار...
كأنها هجرت مجاريها حياءً مما ترى، وحتى الريح إذا مرَّت بأطلالك خفَّفت هبوبها؛ خشية أن توقظ في القلب بكاءً جديدًا.
أما أنا...
فما عدت أكتب بالحبر، بل بما تبقَّى من دمي، ولا أنشد بالشعر، بل بأنين السنين؛ فكل حرفٍ أكتبه قبرٌ صغير، وكل فاصلةٍ تنهيدة، وكل سطرٍ جنازة حلمٍ لم يكتمل.
ويقولون: ما بال عينيك لا تبتسمان؟
وكيف تبتسم العين وهي ترى الوطن غريبًا في أرضه، وأهله غرباء في ديارهم، وكرامتهم تستجدي بابًا كان بالأمس يُفتح لهم دون استئذان؟
يا وطن...
ما أقسى أن يشيخ الحنين، وما أمرَّ أن يتعب الانتظار، وما أوجع أن يعود المسافر فلا يجد سوى الذكريات تستقبله، وسوى الأبواب تُوصَد في وجهه، كأنه لم يكن ابن هذا التراب.
إنني لا أطلب ملكًا، ولا جاهًا، ولا كرسيًّا...
إنما أطلب وطنًا إذا ذُكر اسمه اتسع القلب، وإذا هبَّ نسيمه سجدت الأرواح شكرًا، وإذا وقف أبناؤه صفًّا واحدًا، ارتجف التاريخ هيبةً لهم.
فإن كان للوطن صوت...
فصوتُه اليوم نشيج.
وإن كان له قلب...
فقلبُه اليوم مثخنٌ بالخناجر.
وإن كان له دعاء...
فدعاؤه أن يعود إليه أبناؤه قبل أن يعودوا إليه شهداء.
سلامٌ عليك يا وطنًا...
كلما حاولنا نسيانك، أيقظتنا رائحة ترابك.
وسلامٌ عليك...
يوم تعود كما عرفناك؛ لا تُقصي عالمًا، ولا تُكرم جاهلًا، ولا تبيع أبناءك في سوق المصالح.
وسلامٌ على كل قلبٍ ما زال يحمل وطنًا كاملًا، وإن لم يبقَ منه في الأرض إلا الاسم... وإلا الحنين.