آخر تحديث :الثلاثاء-21 يوليو 2026-09:51ص

قضية عشال.. عندما يصبح كتمان الحقيقة شريكاً في تعطيل العدالة

الإثنين - 20 يوليو 2026 - الساعة 03:33 م
د. أحمد بن اسحاق


تداولت وسائل إعلامية خلال الأيام الماضية تصريحات نُسبت إلى أحد القيادات العسكرية، تضمنت معلومات خطيرة بشأن مصير المختطف علي عشال. وبصرف النظر عن صحة تلك التصريحات أو عدمها، فإنها تثير سؤالاً قانونياً يستحق النقاش: إذا امتلك شخص معلومات عن جريمة قتل أو عن مرتكبيها، ثم احتفظ بها ولم يبلغ سلطات التحقيق، فهل يعد ذلك مجرد صمت... أم أن القانون يعتبره فعلاً تترتب عليه مسؤولية؟


في الدول التي تحترم سيادة القانون، لا تنتهي المسؤولية الجنائية عند من يرتكب الجريمة أو يأمر بها، بل قد تمتد – وفقاً لما يحدده القانون – إلى كل من يعلم بوقوعها، أو يمتلك معلومات تساعد على كشفها، ثم يتعمد كتمانها أو إخفاء ما يؤدي إلى الوصول إلى الحقيقة.


ولهذا لم يكتفِ المشرع اليمني بتجريم القتل، بل جرم أيضاً الأفعال التي تعيق العدالة أو تسهم في إخفاء معالم الجريمة.

فقد نص قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994 في المادة (183) على معاقبة كل من يغير حالة الأشخاص أو الأماكن أو الأشياء بقصد تضليل العدالة، كما يعاقب من يخفي جثة شخص توفي نتيجة جريمة أو حادث أو يدفنها دون إبلاغ السلطات المختصة قبل إجراء التحقيقات اللازمة.

كما نصت المادة (190) على معاقبة كل من يخفي متهماً أو يساعده على الإفلات من العدالة، باعتبار أن حماية الجناة أو تعطيل وصول العدالة إليهم يمثل اعتداءً على حق المجتمع في معرفة الحقيقة وإنفاذ القانون.


وانطلاقاً من ذلك، فإن أي شخص يعلن امتلاكه معلومات عن جريمة قتل أو عن مصير ضحية أو عن هوية مرتكبيها، فإن المسؤولية القانونية والأخلاقية تقتضي أن تكون وجهته الأولى هي النيابة العامة وأجهزة التحقيق، لا المنصات الإعلامية أو وسائل التواصل الاجتماعي. فالتصريح الإعلامي، مهما كان مثيراً، لا يغني عن البلاغ الرسمي، ولا يحل محل الأدلة التي يبنى عليها التحقيق والقضاء أحكامهما.

أما إذا كانت تلك المعلومات مجرد روايات أو استنتاجات أو معلومات غير موثقة، فإن تداولها بهذه الصورة قد يربك التحقيقات، ويضاعف معاناة أسرة الضحية، ويفتح الباب أمام استغلال القضايا الجنائية في التجاذبات السياسية والإعلامية.


إن قضية علي عشال ليست قضية أسرة أو محافظة فحسب، بل هي قضية رأي عام، وامتحان حقيقي لقدرة مؤسسات الدولة على حماية الحق في الحياة، وكشف الحقيقة، وإنفاذ القانون على الجميع دون استثناء.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس تبادل التصريحات، وإنما تمكين النيابة العامة من الوصول إلى كل من يملك معلومة أو دليلاً أو شهادة تتعلق بهذه القضية، حتى تؤدي العدالة دورها بعيداً عن المزايدات والاصطفافات.

فالعدالة لا تُبنى على التصريحات، وإنما على الأدلة. ولا تنتصر للضحايا بالشعارات، وإنما بالتحقيق والمحاكمة والأحكام القضائية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان لدى أي شخص معلومات حقيقية عن هذه القضية، فهل سيقدمها للعدالة لتأخذ مجراها الطبيعي، أم ستظل حبيسة التصريحات الإعلامية؟ ذلك هو الفارق بين خدمة الحقيقة، والاكتفاء بإثارة الجدل.