عند تناول قصيدة: "أليل امهوى" للشاعر/ علي عبدالرحمن جحاف من زاوية فنية نقدية فإنه يمكن القول بأننا نقف على قصيدة ذات أبعاد وجدانية عميقة تظهر من خلال ألفاظها وفي قدرتها على التحول إلى فضاء مفتوح للتأويل وقابليتها لمختلف القراءات بعد عقود من ميلادها.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى قصيدة "أليل امهوى" بأنها ليست مجرد قصيدة غنائية عاطفية، بل نص أدبي متعدد الطبقات غني بتجربة إنسانية صاغتها اللغة الشعبية وزينها الإيقاع وجمَّلتها الموسيقى وكستها الرمزية.
يستند البناء الفني للقصيدة إلى تجربة وجدانية بلغت ذروة الانكسار لكنها لم تُقدَّم بوصفها حادثة شخصية وإنما تحولت إلى خطاب إنساني عام.
وهنا تتجلى براعة جحاف إذ استطاع أن يحرر الألم من خصوصيته ليصبح تجربة جمعية يجد فيها كل عاشق صورةً من خيبته ومجسما ناتجا عن نزواته.
ولعل أهم عناصر نجاح النص هو اعتماده على اللغة التهامية التي جاءت بعيدة عن التكلف قريبة من الحس الشعبي لكنها في الوقت ذاته تمتلك كثافة شعرية عالية. فاللهجة هنا ليست مجرد وعاء لغوي وإنما عنصر جمالي يحمل إيقاع البيئة وروحها ويمنح القصيدة صدقا عاطفيا يصعب تحقيقه بـ "الفصحى" في مثل هذا المقام.!
لقد أصبحت المفردة التهامية جزءا من الموسيقى الداخلية للنص وليست مجرد أداة للتعبير.
أما الإيقاع فقد قام على توازن دقيق بين الانكسار والأنين من خلال: (الجمل القصيرة، تكرار النداءات، المدود الصوتية، التوقفات النفسية) والتي بمجملها صنعت: "إيقاع الوجع" والذي يعتبر النصف الأول من "الكوبون" ومن ثم أتى الفنان الكبير أيوب طارش بلحنه وأدائه كامتدادٍ طبيعيٍ للبناء الشعري لا كغطاءٍ موسيقيٍ له! حيث بدا اللحن وكأنه يستخرج ما كان مختبئا داخل الكلمات ليظهر بذلك النصف الضائع ويتجلى الوجه مفصحا عن توليفة وجدانية لا عن هندسة فنية.
وهنا تتجلى قيمة القصيدة أيضا في قدرتها على صناعة الصورة.
فهي لم تصف الألم وصفا مباشرا وإنما جعلته مرئيا ومسموعا في آن واحد، لتتراجع حدود السرد التقليدي لصالح مشهدية شعرية تتحرك فيها الأحاسيس كما تتحرك الشخصيات فوق خشبة المسرح. ومن هنا حافظ النص على حياته في الذاكرة كونه لا يُقرأ فقط بل يُرى ويُعاش.
لكن الشاعر ومن خلال التجربة الوجدانية وجمالياتها مرَّر داخل بنيتها رسائل خطيرة بثوب ثقافي ودس مفاهيما أيدلوجية تتجاوز موضوعها الظاهر.!
وذلك من خلال حضور ثلاثية "الولي، الكتاب، التمائم". فهذه المفردات لا تؤدي وظيفة لغوية عادية بل تستدعي منظومة كاملة من التصورات الأيدلوجية التي تربط حل الأزمات بالاستغاثة بالأولياء واللجوء إلى الأحجبة والخرافة واللوذ بالتمائم، والفزع في رحلة البحث عن خلاص إلى قوى غيبية مزعومة تستند إلى الكهانة والتنجيم في تغييب للعقل البشري وتجاوز للمنظومة التي بها بُعثت الرسل ولأجلها أنزلت الكتب.
ومن منظور نقدي فني فإنه لا يمكن قراءة هذه الثلاثية إلا بوصفها انتقالا بالنص من فضاء التجربة الإنسانية إلى فضاء الانزياح الأيدلوجي والذي تعلق الآمال خلاله على "الوسائط التغيبية". فالولي هنا لم يحضر باعتباره رمزا للتقوى، بل باعتباره واسطة تُطلب منها المنافع! والكتاب لم يحضر أيضا باعتباره معرفةً أو وعيا وإنما باعتباره أداةً سحرية!
بينما التمائم وردت هنا باعتبارها طريقا للخلاص والنجاة بعيدا عن الأسباب وانفصالا عن السماء وتجاوزا للعقل.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى في النص إذ بينما ترتفع القصيدة في الجمال الفني والصدق العاطفي تتسلل إليها إشارات تمنح الشرعية لثقافة الاتكال على أيدلوجية خُدع بها المزاج الشعبي طويلا وما زال.
وبدلاً من ترسيخ ثقافة الوعي واحترام العقل وبذل الأسباب من الشاعر ك كائن مثقف نحى بالنص منحىً منحرفاً.
فالشاعر حين سكب العسل في الأذن بجمال الموسيقي الشعرية مرر عبر النص جرعة أيدلوجية من ثقافة الخرافة وادعاءات الاصطفاء في عملية فنية شديدة النعومة يصعب الانتباه إليها لأول وهلة.
إن حضور هذه الرموز داخل عمل جماهيري واسع الانتشار سيسهم في إعادة إنتاجها داخل الوجدان الشعبي ويمنحها نوعا من شرعية جمالية وهي لا تستحقها من جميع الزوايا الفكرية والدينية والحضارية.
وهنا تلتقي البلاغة بالنقد الثقافي إذ يصبح السؤال ليس: هل القصيدة جميلة؟ وإنما: أي منظومة فكرية يمكن للجمال أن يحملها إلى الناس دون أن يشعروا؟! فليس كل ما يمر عبر الفن يبقى فنا خالصا، إذ قد يتحول أحيانا إلى حامل صامت للأفكار تماما كما تحمل اللغة مفاهيمها ويحمل الإيقاع رسائله، وتحمل الرموز ما هو أبعد من ظاهرها.
ومع ذلك تبقى قصيدة "أليل امهوى" واحدة من أجمل القصائد الغنائية اليمنية من حيث بناؤها وإيقاعها وصدقها الوجداني وقدرتها الفائقة على تصوير الانكسار الإنساني وتذوق مرارة النزول عند النزوات.
لكنها في الوقت ذاته تقدم نموذجا جديرا بالتأمل في الكيفية التي يستطيع بها النص الأدبي أن يجمع بين الإبداع الخالص وبين حبيبات الأدلجة الثقافية التي تستحق أن تُقرأ بعين نقدية، لأن مسؤولية الناقد لا تقل عن مسؤولية المبدع؛ فالأول: يكشف ما يخفيه الجمال، بينما الثاني: يصنع الجمال الذي قد يُبطن أكثر مما يُظهر.