آخر تحديث :الأربعاء-12 أغسطس 2026-10:13م

لا تبك بعد فوات الأوان فالوالدان لا يتكرران

الأحد - 19 يوليو 2026 - الساعة 12:51 م
د. هزم أحمد


في هذه الحياة كل شيء يمكن أن يعوض إلا أم إذا غابت وأب إذا رحل يمكن أن تشتري بيتًا جديدًا إذا هدم بيتك ويمكنك أن تجد عملًا إذا فقدت عملك وقد يمنحك الله أصدقاء بعد فراق أصدقاء لكن من أين تأتي بأم أخرى ومن أي طريق يعود إليك أب إذا غاب لا أحد والله لا أحد فالأم ليست امرأة تسكن البيت بل هي البيت كله والأب ليس رجلًا يحمل اسم العائلة بل هو السند الذي ظل واقفًا حتى لا تسقط العائلة

حين كنت طفلًا كنت تنام مطمئنًا لأن هناك أمًا لا تنام وحين كنت ترسم أحلامك كان هناك أب يدفن أحلامه ليصنع لك مستقبلًا كانت أمك تجوع لتشبعك وتسهر لترتاح وتبكي في الخفاء حتى لا ترى دموعها وكان أبوك يخرج كل صباح ليصارع الدنيا وحده ويعود آخر النهار وقد أخفى في قلبه تعب العمر حتى لا يحملك همًا واحدًا من همومه

كم مرة مرضت أمك ولم تخبر أحدًا حتى لا تقلق وكم مرة عاد أبوك مكسورًا من قسوة الحياة ثم ابتسم في وجهك وكأن الدنيا كلها بين يديه كانا يعيشان من أجلك بينما كنت تظن أنهما يعيشان لأنفسهما

ثم مرت الأيام وكبرت أنت وشاب شعر أمك وانحنى ظهر أبيك وأصبحت اليد التي كانت تحملك تبحث عمن يسندها وأصبحت العين التي كانت تسهر عليك تنتظر أن تراك دقائق معدودة وأصبحت الأذن التي كانت تسمع أول كلمة منك تنتظر اتصالًا قد لا يأتي

يا لها من لحظة مؤلمة حين تكتشف أن أكبر أمنيات أمك ليست هدية ثمينة ولا مالًا كثيرًا وإنما أن تجلس بجوارها قليلًا وأن تناديها كما كنت صغيرًا وأن تضمها إلى صدرك كما كانت تضمك وأكبر أمنيات أبيك أن يشعر أنك ما زلت تفتخر به وأن تعب السنين لم يذهب هباء

سيأتي يوم تدخل فيه بيت والديك فلا تسمع صوت أمك يناديك ولا ترى أباك ينتظر عودتك سيبقى الكرسي في مكانه ويبقى الباب كما هو لكن صاحبيه قد رحلا وستدرك حينها أن الضجيج الجميل الذي كان يملأ البيت كان اسمه الأم والأب وأن الحياة بعدهما ليست كما كانت أبدًا

كم من إنسان يقف اليوم على قبر أمه يتمنى قبلة واحدة على جبينها فلا يستطيع وكم من رجل ينادي يا أبي فلا يجيبه إلا الصمت وكم من دمعة احترقت في العيون لأنها جاءت بعد فوات الأوان

فلا تؤجل البر ولا تؤجل الاعتذار ولا تؤجل الزيارة ولا تؤجل كلمة أحبكما فالموت لا يستأذن أحدًا والفرص إذا رحلت لا تعود والندم لا يوقظ راحلًا ولا يعيد وجهًا غاب تحت التراب

اللهم احفظ أمهاتنا وآباءنا الأحياء وأطل أعمارهم في طاعتك وألبسهم لباس الصحة والعافية واجعلنا من أبر الناس بهم ولا تجعل في قلوبهم حسرة بسببنا اللهم ومن سبقونا إليك فارحمهم رحمة واسعة واغسلهم بالماء والثلج والبرد ونقهم من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة وافتح لهم أبواب النعيم واجمعنا بهم في الفردوس الأعلى غير خزايا ولا محرومين

اللهم إن كل دمعة أخفوها عنا وكل جوع تحملوه من أجلنا وكل تعب كتموه في صدورهم وكل دعوة رفعوها لنا في ظلمات الليل فاكتبها في موازين حسناتهم واجزهم عنا خير ما جزيت والدين عن أولادهم

واعلم أن أعظم خسارة في الحياة ليست فقد المال ولا المنصب ولا الجاه وإنما أن تفقد أمًا كانت ترى الدنيا بعينيك وأبًا كان يحمل عنك أثقال الحياة ثم لا يبقى لك منهما إلا صورة ودعاء وحنين لا ينتهي رحم الله من رحل من الآباء والأمهات وحفظ الله من بقي منهم وأعاننا على برهم قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه إلا الدعاء وتبقى الحسرة ساكنة في القلوب إلى آخر العمر.