لا يمكن لليمن أن يخرج من دوامة الحرب والانقسام دون مشروع وطني حقيقي للعدالة الانتقالية. فالدول لا تُبنى على تجاهل المظالم، ولا على ثقافة الإفلات من العقاب، بل على كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتحقيق المصالحة الوطنية.
لقد دفعت اليمن خلال العقود الماضية ثمنًا باهظًا من الصراعات والانتهاكات والانقسامات، وسقط آلاف الضحايا، وتضررت مؤسسات الدولة، وتراجعت الثقة بين المواطن والسلطة. لذلك فإن العدالة الانتقالية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية لبناء مستقبل مستقر.
ويجب أن يقوم مسار العدالة الانتقالية على مبادئ واضحة، أهمها كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة وفق القانون، وتعويض الضحايا وجبر الضرر، والكشف عن مصير المفقودين، وإصلاح مؤسسات القضاء والأمن والجيش، ومكافحة الفساد، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وتؤكد الأدبيات الدولية أن هذه العناصر تمثل الركائز الأساسية لأي عملية عدالة انتقالية ناجحة.
إن العدالة الانتقالية ليست مشروعًا للانتقام أو لتصفية الحسابات السياسية، وإنما مشروع لبناء دولة القانون، وترسيخ المواطنة المتساوية، واستعادة ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. فلا سلام دائم دون عدالة، ولا عدالة حقيقية دون مساءلة، ولا مصالحة وطنية دون الاعتراف بحقوق الضحايا وإنصافهم.
إن اليمن بحاجة اليوم إلى إرادة وطنية تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والشخصية، وتجعل العدالة أساسًا للدولة الجديدة، حتى يطوي اليمنيون صفحة الصراع، ويفتحوا صفحة السلام والاستقرار والتنمية.