آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-09:24م

لا تطفئوا مصباحاً... فالطريق ما يزال طويلاً!

السبت - 18 يوليو 2026 - الساعة 06:06 م
د. سمير أحمد بوست


في ليالي الريف، حين كانت الكهرباء حلماً بعيداً، لم يكن الناس يسيرون بمصباح واحد. كان كل بيت يضيء مصباحه، فتتلاقى الأنوار على الطريق، ويصل الجميع إلى وجهتهم بأمان.

لم يكن أحد يفكر في إطفاء نور جاره ليبدو نوره أكثر إشراقاً.

كانوا يعرفون أن الطريق لا يحتاج إلى مصباحٍ أقوى...

بل إلى مصابيح أكثر.

وربما هذه هي الحكمة التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى.


كل مجتمع يملك رجالاً ونساءً، شباباً وشيوخاً، أصحاب خبرة وأصحاب أحلام، ولكل واحد منهم زاوية يرى منها المستقبل.

وحين نجعل هذه الزوايا تتقابل بالحوار، تتسع الرؤية. أما حين نحاول اختزالها في زاوية واحدة، فإننا لا نلغي الاختلاف، بل نحرم أنفسنا من رؤية جزء من الحقيقة.


وشبوة ليست استثناءً.

كما ليست حضرموت، أو عدن، أو أبين، أو المهرة، أو لحج أو الضالع أو تعز، أو سقطرى، ولا أي محافظة يمنية أخرى.

ففي كل محافظة عقول تستحق أن تُسمع، وخبرات تستحق أن تستثمر، وشباب يحملون أفكاراً جديدة، وشخصيات راكمت تجارب لا يجوز أن تبقى خارج دوائر التشاور وصناعة القرار.

وهذا ليس ترفاً سياسياً...

بل استثمار في مستقبل الوطن.


إن قوة أي حوار، سواء كان جنوبياً أو وطنياً، لا تُقاس بعدد المقاعد حول الطاولة، بل بقدر ما يشعر الناس أن تلك الطاولة تمثل اتساع الوطن، لا ضيق المصالح.

فكلما تنوعت الخبرات، أصبحت القرارات أكثر توازناً.

وكلما اتسعت المشاركة، ازدادت الثقة.

وكلما شعر الإنسان أن صوته محترم، أصبح أكثر استعداداً لتحمل مسؤولية النجاح.


ليس المطلوب أن يفكر الجميع بالطريقة نفسها.

فالأشجار في الغابة لا تتشابه... ومع ذلك تصنع غابة واحدة.

والنجوم لا تتشابه... ومع ذلك تنير السماء نفسها.

والأنهار تأتي من منابع مختلفة... لكنها جميعاً تصب في البحر.

فلماذا نخشى التنوع، بينما الطبيعة كلها تقوم عليه، وهكذا كل خلق الله سبحانه وتعالى؟


إن الوطن الذي يمنح أبناءه فرصة الإسهام، لا يمنحهم امتيازاً، بل يمنح نفسه فرصة أفضل للنهوض.


فكم من فكرة صغيرة غيّرت مسار مؤسسة...


وكم من شاب لم يكن معروفاً أصبح سبباً في نجاح مشروع كبير...


وكم من شخصية اختلف معها الناس، ثم اتفقوا لاحقاً أن وجودها كان إضافة لا عبئاً.

لهذا فإن الحكمة ليست في أن نبحث عمن يشبهنا...

بل أن نحسن الاستفادة ممن يختلف معنا.


وأحسب أن رسالتنا اليوم يجب أن تكون أبسط من كل الشعارات:

دعوا الأبواب مفتوحة.

دعوا الطاولة تتسع.

دعوا الكفاءات تتقدم.

دعوا الحوار يطمئن الجميع.

لأن الأوطان لا تضعف عندما يشارك أبناؤها...

بل تضعف عندما يشعر بعضهم أن الطريق لم يعد يعنيهم.


أنظروا حولكم، ستجدون إن أجمل الأوطان ليست تلك التي يخلو فيها الناس من الاختلاف، بل تلك التي يعرف أبناؤها كيف يحولون اختلافهم إلى قوة، وتنوعهم إلى فرصة، وحوارهم إلى جسر يعبرون عليه نحو الغد.


وما أجمل أن يأتي يومٌ ينظر فيه إلى أبناء شبوة، وإلى أبناء كل محافظات الجنوب واليمن، بوصفهم سفراء لوطنهم في الجامعات، والمؤسسات، والحوار، والعمل العام، والمحافل الوطنية والإقليمية والدولية، يحمل كل واحدٍ منهم مصباحًا يضيف نورًا إلى الطريق، لا ظلاً إلى الخلاف.

وحين ينجح أحدهم، لا يُنظر إليه بوصفه ممثلاً لفئة أو منطقة، بل بوصفه وجهاً مشرقاً لوطنٍ آمن بأن تنوع أبنائه هو أحد أسرار قوته.


وفي النهاية...

أؤمن أن المحافظة التي تفتح أبوابها لجميع أبنائها، لا تزداد ازدحاماً...

بل تزداد اتساعاً، وتماسكاً، وقوة.

وأن الحوار الذي يجمع الكفاءات، لا يضعف أحداً...

بل يقوي الجميع.

وأن التاريخ سيتذكر أولئك الذين آمنوا أن الوطن لا يُبنى بمن يطفئون مصابيح غيرهم...

بل بمن يضيفون إلى الطريق ضوءاً جديداً.


فكل مصباحٍ يُضاء بإخلاص...

يجعل رحلة الوطن أقرب إلى الفجر.