في الآونة الأخيرة تصاعدت موجة غريبة من النقاشات والسجالات حول هويّة ابن عدن ووصل الأمر ببعض الأصوات التي قد لا تخلو أجنداتها من الدعم الموجه لتمزيق ما تبقى من نسيجنا الاجتماعي إلى محاولة إخضاع العَدنيّة لمقاييس الفحص الجيني والمحددات السلالية الضيقة في محاولة بائسة لتحجيم مدينة كانت ولا تزال بحرًا يتسع لكل الروافد .
إن من يختزلون عدن في جينات أو أصول مناطقية محددة يتناسون عمداً أو جهلاً تاريخ هذه المدينة وحضارتها الضاربة في عمق الزمن ويغفلون عن حقيقة من حكمها وعاش فيها قبل أن يطأها الاستعمار البريطاني .
لم تبدأ عدن مع وصول الكابتن هينز عام 1839 بل كانت عبر التاريخ عاصمة لدول وميناءً للتجارة العالمية وحاضرة حكمتها دول متعاقبة من بني زريع والصليحيين والرسوليين والطاهريين وغيرهم في كل تلك الحقب كانت عدن تمثل المركز الاقتصادي والسياسي الذي يربط الجغرافيا الجنوبية ببعضها ويربطها بالعالم الخارجي هذا العمق الحضاري يؤكد أن هوية المدينة لم تكن يوماً مغلقة أو معزولة بل كانت دائماً نقطة الالتقاء
إذا أردنا محاكمة هؤلاء المنظرين بلغة التاريخ والواقع دعونا نتساءل من كان يحكم عدن قبيل الغزو البريطاني عام 1839 ؟
لقد كانت عدن خاضعة لحكم سلطنة لحج (السلطنة العبدلية) وكان السلطان العبدلي هو حاكم عدن وسيد قرارها قبل الاستعمار وأثناء وجوده ويتضح هذا الامر من خلال الاتفاقيات والمعاهدات والجميع يعلم علم اليقين وبحكم الجغرافيا والتاريخ إلى أين ترجع أصول العبادل ومن أي المناطق ينحدرون .
هذه الحقيقة التاريخية تضع أولئك الداعين للفرز المناطقي في مأزق منطقي ومعرفي فكيف يستقيم أن تحاول اليوم حرمان أفراد من عدنيتهم لمجرد أن أصولهم تعود إلى مناطق معينة بينما تتناسى وتتجاهل أن من كان يملك هذه المدينة ويحكمها ويدير شؤونها تاريخياً ينحدر بأصوله وجذوره من تلك المناطق ذاتها التي تريد اليوم تحريمها ؟!
إن هذه المفارقة تكشف زيف الخطاب الإقصائي فلا يمكن لأحد أن يمنح صكوك المواطنة العدنية بناءً على الهوى المناطقي بينما جغرافيا الحكم والتداخل البشري عبر العصور تقول عكس ذلك تماماً .
إن محاولة بث الفرقة وتصنيف الناس على أساس عرقي أو مناطقي في عدن هي طعنة في قلب هوية المدينة تميزت عدن طوال تاريخها بأنها بحر يذوب فيه الجميع جاءها الإنس والتاجر والعامل التقت فيها الهجرات الداخلية من مختلف المحافظات مع الهجرات الخارجية من بقاع الأرض ليصهرهم جميعاً قالب واحد يُدعى المدنية .
ابن عدن ليس من يحمل جيناً معيناً في معمل تحاليل بل هو من يحمل في سلوكه وثقافته قيم التعايش والقبول بالآخر والنظام والقانون وحب هذه المدينة .
خلف هذه الدعوات المستحدثة لتحديد مواصفات ابن عدن تقف جهات مستفيدة تسعى إلى :
تفتيت المجتمع تحويل المدينة إلى كانتونات متنافرة يسهل السيطرة عليها وإضعاف جبهتها الداخلية .
إشغال الرأي العام صرف الأنظار عن الأزمات الحقيقية والمطالبة بالخدمات والتنمية والتحسين المعيشي نحو صراعات الهوية الجانبية .
طمس التاريخ عزل عدن عن محيطها الجغرافي والتاريخي الطبيعي الذي استمدت منه قوتها عبر العصور .
محاربة الاشخاص بسبب الغيرة والحسد او لصالح اجندات حزبية تحت هذا الستار الكاذب
إن محاولات تمزيق النسيج الاجتماعي لعدن عبر بوابات الجينات أو الفرز الإقصائي والمناطقي ستبوء بالفشل لأن تاريخ عدن وحضارتها وجغرافيتها المتداخلة أقوى من كل المحاولات العابرة ستبقى عدن كما كانت مدينة للنظام والتعايش والتنوع والمطلوب اليوم من النخب والمثقفين وكل حريص على هذه المدينة هو الوقوف بحزم ضد هذه الخطابات الدخيلة والتأكيد على أن الهوية العدنية هي ثقافة مدنية وسلوك إنساني وليست شهادة منشأ جينية أو صكاً تمنحه النعرات المناطقية .