أثبتت التجارب والوقائع في اليمن أن تقديم التنازلات للمشروع الإيراني، أو الرهان على تأجيل المواجهة، لم يكن سوى وقودٍ يُغذّي نفوذ المليشيات الحوثية ويُوسّع نطاق تهديداتها إن وهم احتواء هذه الجماعة المسلحة، أو محاولة تحويلها إلى شريك سياسي مستقر، هو مراهنة أثبتت الأيام فشلها؛ نظراً لارتباطها البنيوي والعقائدي بالحرس الثوري الإيراني. لقد تحولت كل فترات التهدئة السابقة إلى فرص ذهبية للمليشيات لإعادة التموضع، وحشد المقاتلين، وتكديس السلاح، الأمر الذي جعل كلفة الحسم اليوم أضعاف ما كانت عليه في السنوات الماضية.
إن الأجندة الإيرانية لا تقف عند حدود السيطرة على صنعاء، بل تسعى لجعل اليمن بأكمله منصة متقدمة لتهديد الملاحة الدولية وابتزاز الأمن القومي الخليجي، عبر مخططات خبيثة تستهدف اليوم اختراق شرق اليمن وتطويق الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية. ومن هنا، تبرز الحقيقة الجلية: المعركة في اليمن لم تكن يوماً نزاعاً محلياً على السلطة، بل هي خط الدفاع الأول عن الهوية العربية وأمن الجزيرة العربية برمتها.
وأمام هذا التحدي التاريخي، يصبح الحديث عن الجاهزية القتالية مجرد استهلاك إعلامي ما لم يُترجم إلى خطوات عملية على الأرض. فالمنظومة العسكرية تحتاج إلى رعاية حقيقية للمقاتل المرابط في الجبهات، عبر انتظام الرواتب، وتوفير العتاد النوعي، وتأمين الرعاية الطبية للجرحى، باعتبار ذلك حجر الزاوية في بناء المعنويات. كما أن تشتت الرؤية وتعدد الولاءات داخل الصف المناهض للمشروع الإيراني يمثل الثغرة الأكبر التي ينفذ منها الخصم، وتستدعي معالجة فورية لتوحيد القرار السياسي والعسكري.
رغم قسوة الظروف وتأخر الحقوق، يظل أبطال الجيش والمقاومة الوطنية ورجال القبائل هم الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها أوهام الكهنوت. فهم يمتلكون ميزة تنافسية لا تملكها المليشيات التابعة لطهران، وهي العقيدة الوطنية الخالصة والدفاع المستميت عن الجمهورية والهوية. هؤلاء الأبطال لا تنقصهم الإرادة ولا الشجاعة، بل ينتظرون قراراً سياسياً حاسماً يرقى إلى مستوى الحدث. فالجيوش بصمودها تصنع الانتصارات، لكن القيادة الشجاعة هي من تملك رؤية التوقيت وتحدد لحظة الصفر.
إن أي تأخير إضافي في استئصال هذا الخطر لن يعني سوى مضاعفة الفاتورة مستقبلاً على اليمن، والمملكة العربية السعودية، والمنطقة بأسرها. لقد حان وقت الحسم، ولم يعد الانتظار خياراً بل مغامرة بالمستقبل؛ فالكرة اليوم في ملعب القرار السياسي الشجاع الذي يجب أن يدرك أن كلفة المواجهة الآن، مهما عظمت، تظل أقل بكثير من كلفة التعايش مع قنبلة موقوتة على حدود الحرمين الشريفين.