اليمن...... أولاً
يثير الحديث عن تشكيل المجالس التنسيقية اعتراضات تصفها بأنها محاولة للالتفاف على الأحزاب السياسية وإعادة تشكيل المشهد خارج الإرادة الشعبية. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن مجرد التفكير في إنشاء هذه المجالس لم يأتِ من فراغ، وإنما فرضه واقع سياسي جديد لم يعد يشبه الواقع الذي كانت تقوم عليه الحياة الحزبية في اليمن قبل الحرب.
فالواقع الجنوبي اليوم لم يعد قائمًا على الأحزاب التقليدية وحدها، بل أصبح قائمًا على مراكز ثقل جديدة أفرزتها التحولات السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية. كما أن كثيرًا من الأحزاب التي كانت تهيمن على المشهد قبل عام 2015 تراجعت أو تفككت أو فقدت جزءًا كبيرًا من تأثيرها، وفي مقدمتها المؤتمر الشعبي العام بعد انهيار نظام صنعاء، إلى جانب تراجع حضور قوى حزبية أخرى. لذلك فإن الحديث عن أن المجالس التنسيقية جاءت لإلغاء الأحزاب يتجاهل أن المشهد الحزبي نفسه لم يعد كما كان.
والأهم من ذلك أن مراكز التأثير اليوم لم تعد تُقاس بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالصفة الحزبية وحدها، وإنما بما يمتلكه كل طرف من نفوذ وتأثير في الواقع. فهناك شخصيات تمتلك ثقلًا عسكريًا وأمنيًا يجعلها جزءًا من معادلة القرار، كما هو الحال مع أبو زرعة المحرمي وانا احضرك من القيادات التي اصبح لها مراكز ثقل اجتماعيه وعسكريه وامنيه. وفي المقابل، هناك شخصيات لا تمتلك ألوية ولا قوات عسكرية، لكنها تمتلك رصيدًا سياسيًا وشعبيًا يجعلها مركز ثقة استراتيجيًا، كما هو حال أحمد الميسري، الذي فرض حضوره من خلال مواقفه السياسية وقاعدته الشعبية، وليس من خلال السلاح.
وهناك أيضًا مراكز ثقل لا تقل أهمية، يمثلها رجال الاقتصاد والمجتمع والقبيلة، ومن أبرزهم الشيخ أحمد صالح العيسي، الذي يصعب تجاوز حضوره أو التقليل من تأثيره في أي معادلة جنوبية. فالتأثير السياسي لا يُقاس بعدد الجنود فقط، بل يُقاس أيضًا بالامتداد الاجتماعي، والقدرة الاقتصادية، وحجم القبول الشعبي، وإمكانية صناعة التوافقات.
من هنا، فإن فكرة المجالس التنسيقية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها بديلًا عن الأحزاب، وإنما باعتبارها محاولة لاستيعاب الواقع الجديد الذي أفرز مراكز ثقل متعددة ومختلفة. فالسياسة لا تعيش في فراغ، وعندما تتغير موازين القوى تتغير معها أدوات التنظيم السياسي.
لذلك، فإن الاعتراض على المجالس التنسيقية انطلاقًا من مقاييس المشهد القديم لا ينسجم مع حقائق الواقع الحالي. فهذه المجالس، إذا تم تشكيلها، لن تكون هي التي صنعت هذا الواقع، وإنما ستكون انعكاسًا له ومحاولة لتنظيمه سياسيًا. فالواقع سبق الفكرة، والفكرة جاءت استجابةً له، لا صناعةً له. وأي قراءة جادة للمشهد الجنوبي اليوم يجب أن تنطلق من الاعتراف بمراكز الثقل الحقيقية التي أفرزتها المرحلة، لا من التمسك بصور سياسية تجاوزها الواقع.