التفت إلى الخلف نحو عساكره سائلا ، ووجهه يشتاط غضبا وسخطا من الأمر ، من الذي أمركم بحبس هذا الشيخ ؟ أجاب أحدهم ، ممثل جهاز أمن البلدة يا فندم . قال : اطلقوا سراحه حالا وانصرف . عدت بعد ذلك نحو منزلي حزينا خائبا بائسا ، أحدث نفسي ، ترى ما الذي وراء الأمر ؟ وهل حقا يحصل هذا من غير تنسيق بين قيادات أجهزة أمن البلدة المختلفة ؟ ثم أعود لإنشاد البيت الشعري لطرفة بن العبد :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ، ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وبعد أقل من شهر ، اقتدت شاة سمينة إلى سوق البلدة للغرض السالف الذكر ، وإذا بالعساكر أنفسهم يقتادونني من السوق إلى سجن البلدة ، وبعد يوم مرهق ، وليلة أطول من ليل امرئ القيس ، أطل علي من باب السجن قائد أمن البلدة نفسه ، مبديا عدم معرفته بحبسي ، وممتعضا مما أنا فيه ، سائلا عساكره ، من حبس هذا الشيخ ؟ أجاب أحدهم ، ممثل جهاز أمن البلدة يا فندم ، قال : اطلقوا سراحه الآن ، وانصرف لشأنه .
في هذه الأثناء عدت إلى منزلي ، وقررت هجر سوق البلدة ، والاستعانة بأي شخص من الجيران ؛ لفعل ما يلزمني في السوق ، واستحضار ما احتاجه ، لعلي بذلك أسلم من شرور تلك العصابة .
وبهذا لاشك أنك أرحت وارتحت ياشيخ ، كلا يا بني ، بل مازال في الأمر ماهو أسوأ . بعد شهر ونيف تقريبا ، تفاجأت بزوجتي تركض نحوي مذعورة ، وأنا في منزلي المتواضع قبل الغروب ، سألتها ، ما الذي أخافك يا أم محمد ؟ حاولت الإجابة ، لكنها كانت تتلعثم من الخوف ، الأمر الذي جعلني أعجز عن فهم ما تريد قوله ، غير أنها كانت تشير بسبابتها إلى خارج المنزل ، خرجت مسرعا ، وإذا بقائد أمن البلدة يؤشر لي بكفه من نافذة مركبته ، التي كانت على بعد مائة متر تقريبا .
انطلقت نحوه مسرعا ، وطلبت منه النزول ؛ لتناول طعام العشاء ، لكنه أبى ، وقال : إنما قلقت عليك ، إذ طال غيابك عنا ، فقلت أزورك وأتفقد أحوالك لعلك مريض ، شكرته على ذلك ، فودعني وانصرف نحو شأنه . وبعد أسبوع فقط فاجأني بزيارة أخرى ، وقدم لي بندقية كلاشنكوف ، وتسعين طلقة من الذخيرة ، وقبل أن اسأله عن فعله ذلك ، قال : أنت رجل شجاع ، ووفي لحكومة البلدة ، ومبادئها السامية ؛ لذلك نريدك تكون أحد حماتها المخلصين ، والساهرين على استمراريتها ، والحفاظ على مكتسباتها . قلت : شكرا لك أولا ، ثم لحكومة البلدة التي منحتني هذه الثقة الكبيرة .
لم يطل غيابه ؛ إذ فاجأني بزيارة أخرى ، لكنها كانت ليلية هذه المرة ، أي بعيد صلاة العشاء . وهنا انتابني الرعب ، وبقيت في منزلي ، مع أنني قد رأيت ضوء المركبة من النافذة ، وسمعت صوت عادمها ، غير أن زيارات الليل لأولئك الأشرار ، كانت تشكل رعبا لأي مواطن في ذلك الزمن . اقترب أحد مرافقيه من المنزل ، ثم نادى باسمي ، خرجت إليه ، قال : اذهب إلى المركبة ، حيث ينتظرك القائد ، وجسمي ينتفض كأنني في ليلة شتوية باردة ، مع أنني في ليل صيفي ساخن ، يكوي الجلود ويذيب الأبدان .
حييت القائد ، وهو كذلك رد التحية ، صرف مرافقيه عنا إلى مسافة يستحيل منها استراق السمع ، ثم جلس وأجلسني بجانبه ، ووضع كفه على كتفي ، وقرب فاه من أذني ، وقال : لقد نلت ثقة حكومة البلدة ، وشرف اختيارها لك ؛ إذ تكلفك بمهمة حقيرة في حجمها كبيرة في معناها ، إذ ستكون فاتحة خير لك ، ولمستقبلك ومستقبل أبنائك وأحفادك ، قلت : وماهي هذه المهمة فداك أبي وأمي أيها القائد ؟ قال : سيحضر إلى البلدة يوم الأحد القادم المسؤول التنظيمي بالمحافظة ؛ لإلقاء محاضرة توعوية لكوادرنا الواعدة ، وأظن أنك تعرفه جيدا ، قلت : أجل لقد كان ذات يوم رفيقي في الحقل ، وزميلي في المدرسة ، لكنه منذ أن انتقل إلى العمل في الحاضرة لم أعد أجده ، أو ألتقي به .
قال القائد : ذلك جيد يا شيخ ، وإذا ما التبس عليك أمر معرفته ، فاعلم أن الذي ينزل من المركبة حاملا حقيبة في يده ، فذاك هو ، قلت : وماذا بعد أيها القائد ؟ قال : تثب عليه كالأسد ، وتطلق عليه النار حتى تتأكد من أنه قد فارق الحياة تماما . عند ذلك نحن رجال الأمن سوف نتولى الأمر ، ونخرجك من القضية كما تخرج الشعرة من بين العجين .
وهنا قلت : اعلم أيها القائد أنني في غاية الامتنان لكم ولحكومة البلدة ؛ إذ اخترتموني لشرف تنفيذ هذه المهمة الوطنية الكبيرة ، غير أنني معروف على مستوى القبيلة برمتها ، أنني شخص جبان ، وقد تأكد للجميع ذلك عندما كانت تقوم بعض القبائل المجاورة بإغارات على قبيلتنا ، فيتسابق الفتية والشباب للدفاع عن القبيلة ومضاربها وممتلكاتها ، إلا أنا فيتصبب مني العرق ، وتتقيد قدماي من الخوف ، وأنبطح عاجزا عن السير نحو الخصوم تماما ، فيقوم أهلي باستخدام خناجرهم لوخز ساقي من الخلف ، حتى ينهمر منهما الدم ؛ لكي أستطيع الوقوف ومعاودة السير ؛ لذلك أخشى أن أعجز عن تنفيذ المهمة ، وأنبطح أمام القوم ، فأكون لعنة على نفسي وعليكم وعلى حكومة البلدة أيها القائد .
وهنا هز رأسه القائد قليلا ، وتمتم بكلام غير مفهوم ، ثم أخذ مني البندقية والذخيرة ، وقبل أن ينصرف قال : إذا تفوهت بكلمة واحدة من هذا القول ، سيكون عقابك عسيرا أيها الشيخ ، وأدبر ، وهو يقول : حكومة البلدة لا يلزمها الجبناء من أمثالك .
ومن تلك الليلة المشؤومة بقيت أترقب زيارة المسؤول التنظيمي ، حتى وصل إلى البلدة في الموعد المحدد ، ونزل السائق يحمل الحقيبة ، فكان اللقمة السائغة للمجرم المكلف بتنفيذ المهمة ، التي على ضوئها نال ثقة حكومة البلدة ، ولم تمض ليلة واحدة على استضافة الحائز على ثقتهم ،حتى أصبح مشنوقا في سجن أمن البلدة ...