آخر تحديث :الأربعاء-12 أغسطس 2026-10:13م

إدارة الصراع... عندما تصبح الفوضى مشروعًا سياسيًا ..

الجمعة - 17 يوليو 2026 - الساعة 04:47 م
د. هزم أحمد


اليمن........... أولاً

ليست كل الجماعات المسلحة تسعى إلى حسم المعارك، فهناك من يدرك أن بقاء الصراع أكثر فائدة له من نهايته، لأن الفوضى تمنحه مبررات الاستمرار، وتوفر له مساحة أوسع لتوسيع النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة سلوك جماعة الحوثي خلال السنوات الماضية، حيث لم تعد الحرب مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، بل أصبحت مشروعًا قائمًا على إدارة الصراع وإبقائه مفتوحًا، بحيث يتحول التصعيد العسكري والخطاب السياسي والإعلامي والعقائدي إلى أدوات لإدامة الأزمة أكثر من كونها وسائل لإنهائها.

لقد استطاعت الجماعة أن توظف التهديدات العسكرية والخطاب التعبوي في الحفاظ على حالة الاستنفار المستمرة، بما يعزز تماسكها الداخلي ويؤجل أي استحقاقات تتعلق ببناء الدولة أو الاحتكام للمؤسسات. وفي الوقت نفسه، أصبحت الأزمة اليمنية جزءًا من معادلات إقليمية معقدة، إذ ينظر إليها بعض الفاعلين باعتبارها ورقة ضغط في ملفات تتجاوز حدود اليمن، وهو ما يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر صعوبة وتعقيدًا.

وفي المقابل، تتعامل المملكة العربية السعودية مع هذا الواقع بمنطق الدولة التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين الردع والتهدئة، وتدرك أن أي تصعيد واسع ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها، لذلك حرصت على إبقاء باب الحلول السياسية مفتوحًا بالتوازي مع الحفاظ على عناصر القوة والردع، انطلاقًا من قناعة بأن السلام المستدام لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بتسوية تضمن أمن المنطقة واستقرار اليمن.

إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس استمرار المواجهات العسكرية فحسب، بل ترسيخ ثقافة إدارة الصراع باعتبارها بديلًا عن إدارة الدولة، بحيث تصبح الأزمات مصدرًا للنفوذ، والحرب وسيلة لإعادة إنتاج الواقع نفسه، بينما يدفع المواطن اليمني الثمن الأكبر من أمنه واقتصاده ومستقبله. ولذلك فإن الخروج من هذه الدائرة لن يكون إلا باستعادة مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، وتغليب المصلحة الوطنية على المشاريع الأيديولوجية، وجعل السلام خيارًا استراتيجيًا دائمًا، لأن الأوطان لا تبنى بإدامة الحروب، وإنما ببناء الإنسان، وترسيخ العدالة، وإقامة دولة قادرة على حماية مواطنيها وصناعة مستقبلهم.