آخر تحديث :الخميس-16 يوليو 2026-11:35م

المدارس الأهلية في عدن.. حين يصبح البقاء هو الربح الوحيد

الخميس - 16 يوليو 2026 - الساعة 09:26 م
نجيب الكمالي


في خضم الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد ، تصاعد الجدل حول ارتفاع الرسوم الدراسية في المدارس الأهلية بعدن. وبين غضب بعض أولياء الأمور، الذين يرون في هذه الزيادات عبئًا جديدًا يثقل كاهلهم، وبين إدارات المدارس التي تؤكد أنها لم تجد خيارًا آخر، تبدو الحقيقة أكثر تعقيدًا مما تظهره الأرقام.

فالمشهد اليوم لا يعكس مؤسسات تسعى إلى تعظيم الأرباح، بل قطاعًا تعليميًا يحاول البقاء في بيئة اقتصادية تكاد تكون مستحيلة. لقد اختلت معادلة الربح والخسارة، حتى أصبح الربح الحقيقي لدى كثير من المدارس هو استمرارها في فتح أبوابها مع بداية كل عام دراسي.

ارتفاع الرسوم لا يمكن فهمه بمعزل عن الانفجار الكبير في تكاليف التشغيل. فالكهرباء الحكومية لم تعد تمثل مصدرًا يمكن الاعتماد عليه، الأمر الذي أجبر المدارس على تشغيل المولدات لساعات طويلة، لتصبح من أكبر مستهلكي الديزل، بينما تتغير أسعار الوقود بصورة مستمرة. ولمواجهة هذه الأزمة، لجأت بعض المدارس إلى تركيب منظومات للطاقة الشمسية. وبحسب إفادة أحد العاملين في القطاع، بلغت تكلفة منظومة شمسية لإحدى المدارس الأهلية الابتدائية نحو 60 ألف دولار أمريكي، وهو استثمار ضخم لا يهدف إلى تحقيق رفاهية، وإنما إلى ضمان استمرار الدراسة.

ولا تقف الأعباء عند الطاقة. فإيجارات المباني ارتفعت بشكل كبير مع انهيار العملة المحلية، وأصبحت تمثل بندًا يستنزف جزءًا كبيرًا من ميزانيات المدارس، في وقت تتزايد فيه أسعار مواد الصيانة وقطع الغيار والخدمات.

أما الكادر التعليمي، وهو الركيزة الأساسية للعملية التعليمية، فقد أصبح من المستحيل الإبقاء على رواتبه دون مراجعة في ظل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. فالمدرسة التي لا تستطيع الحفاظ على معلميها تخسر جودة التعليم، وقد تخسر وجودها بالكامل.

وتتحمل المدارس كذلك التزامات مالية ثابتة تشمل الضرائب، واشتراكات التأمينات الاجتماعية، ورسوم التراخيص والتجديد، إضافة إلى فواتير المياه والاتصالات والإنترنت، ومواد النظافة والتعقيم، والقرطاسية، وفي بعض المدارس توفير الوجبات والخدمات الغذائية للطلاب.

وهناك نفقات لا يلتفت إليها كثيرون، لكنها تلتهم جزءًا كبيرًا من الميزانية، مثل الصيانة الدورية للمباني والفصول ودورات المياه، وصيانة شبكات الكهرباء والمياه، والمولدات ومنظومات الطاقة الشمسية، وصيانة المختبرات وأجهزة الحاسوب، وشراء مكيفات جديدة أو استبدال التالف منها، وتجديد جزء من الأثاث المدرسي والمقاعد والطاولات والسبورات بشكل سنوي، إلى جانب متطلبات الأمن والسلامة وكاميرات المراقبة وطفايات الحريق، وصيانة الحافلات المدرسية إن وجدت.

ولا تقتصر الأزمة على ارتفاع النفقات، بل تمتد إلى تراجع الإيرادات. فكثير من الأسر لم تعد قادرة على سداد الرسوم كاملة، ما يدفع المدارس إلى قبول التقسيط أو تأجيل التحصيل، لتتحول عمليًا إلى جهة تمويل لأولياء الأمور، بينما تظل ملزمة بدفع رواتب موظفيها وإيجاراتها والتزاماتها الحكومية في مواعيدها. وفي المقابل، شهدت بعض المدارس انخفاضًا في أعداد الطلاب مع انتقال عدد من الأسر إلى المدارس الحكومية أو اضطرارها إلى إخراج أبنائها من التعليم بسبب الظروف الاقتصادية، وهو ما يعني انخفاض الإيرادات في الوقت الذي تتزايد فيه المصروفات.

وفي حالات كثيرة، لم تعد بعض المدارس تحقق أرباحًا فعلية، بل أصبحت تستهلك رأس مالها أو تلجأ إلى الاقتراض للحفاظ على استمرارها، وهو واقع لا يظهر في الرسوم الدراسية التي يراها ولي الأمر، لكنه يظهر بوضوح في الميزانيات الداخلية لهذه المؤسسات.

إن المشكلة الحقيقية ليست في الرسوم الدراسية وحدها، بل في غياب دور الدولة في دعم التعليم الأهلي. فعندما تُترك المدرسة لتنتج الكهرباء بنفسها، وتؤمن المياه، وتتحمل تكاليف الوقود، والضرائب، والتأمينات الاجتماعية، والصيانة، وتجديد الأثاث والمكيفات، والاستثمار في الطاقة الشمسية، فإنها تتحول من مؤسسة تعليمية إلى مؤسسة خدمية تتحمل أعباء كان يفترض أن توفر الدولة جزءًا منها.

ولا يعني ذلك تبرير أي زيادة غير مدروسة في الرسوم، فالأسر اليمنية تعيش بدورها واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية في تاريخها، لكن تحويل المدارس إلى المتهم الوحيد لا يعالج المشكلة، بل يخفي جذورها الحقيقية.

إن استمرار هذا الوضع يهدد بإغلاق المزيد من المدارس الأهلية، وهو ما سيضاعف الضغط على المدارس الحكومية المكتظة أصلًا، لتتحول أزمة الرسوم إلى أزمة تعليم وطنية تمس مستقبل آلاف الطلاب.

إن معركة التعليم في عدن ليست معركة بين المدارس وأولياء الأمور، بل هي معركة بين الاستمرار والانهيار. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه الجميع ليس: لماذا ارتفعت الرسوم؟ بل: كيف استطاعت هذه المدارس أن تستمر في العمل حتى اليوم، رغم كل هذه الأعباء؟