آخر تحديث :الخميس-16 يوليو 2026-11:35م

حين ترتدّ النصال إلى الصدور. "بحور المآسي"(31)

الخميس - 16 يوليو 2026 - الساعة 09:18 م
حسين سالم السليماني


ضجّت القرية بصخب أيقظ الصمت الرابض فوق بيوتها، فاندفع القوم حيارى، تسبقهم نبضات قلوبهم الواجفة. وفي زحمة الفوضى، كان "أبو عوض" يصارع قبضات الرجال الذين أحاطوا به ليثنوه عن ملاحقة الفاجعة، بينما انطلق فتية كالسّهام في إثر "عوض"، يقتفون أثر الموت الذي نادى صاحبه.

لم يمض من الوقت إلا هنيهة، حتى مزّق سكون الفضاء دويّ رصاصات غادرة، وقع صدى كل واحدة منها في القلوب كخنجر مسموم. تساءل الجميع في صمتهم المرّ: أيّ الجسدين احتضن الرصاص؟ هل هو "معين" الذي يُذاد عن حقه، أم هو "عوض" الذي سِيق إلى حتفه بلسان امرأة؟


هرع الشباب نحو مصدر الصوت، فلم يجدوا إلا "عوض" مُضرّجاً بدمائه، يتوسد التراب الذي خضبته خيبته الكبرى. كان الرمق الأخير لا يزال يصارع في جسده الغض، فحملوه فوق أكتافهم، وعادوا به في موكب يملأه النحيب، وما إن اقتربت الجنازة الحيّة من مشارف القرية، حتى تعالت الصرخات، وأدرك القوم أن "عوض" قد غادر ضفاف الحياة إلى غير رجعة.

في تلك اللحظة، كان الكبار يحيطون بوالده المفجوع، الذي كان يرى المأساة تقبل نحوه كغيمة سوداء، تُمطر ندما لا يُجدي، وحسرة لا تنقضي. لقد علم "ثابت" يقيناً أن الدوائر قد دارت، وأن بحور المآسي التي أغرق فيها غيره، قد بدأت أمواجها تلتطم بأسوار قلبه.


وفي زاوية من زوايا الحذر، كان "سعيد" –عمّ معين– يراقب المشهد من خلف ستار الاختباء في دار صهره، وعيناه ترصدان تحول رياح النقمة نحو "ثابت". لم تكن دماء "عوض" عند سعيد مجرد دماء خصم، بل كانت جرحاً في الروح؛ فبكى صديقه الشاب الخلوق الذي لم يشبه يوماً غلّ أبيه ولا لؤم إخوته. بكى "سعيد" بكاء طفل فَقَدَ أغلى ألعابه، مدركاً أن قحط الرحمة في قلوب "ثابت" وزوجته هو الذي أحرق الأخضر واليابس.


خلف الحيطان، كان "ثابت" يغرق في لُجّة حزنه، بينما كانت "ريشة" تدنو منه ببرود الأفاعي، تهمس في أذنه بكلمات مسمومة تدّعي فيها المواساة: لا عليك.. سيدفع معين الثمن غاليا. كانت كلماتُها تخفي خلفها نشوة شيطانية، وسعادة عارمة بالتخلص من الابن الأكبر لتخلو الساحة لنسلها.

لكن بصيرة المكلوم لم تخن "ثابت" هذه المرة؛ فنظر إليها بعينين تشتعلان بنار الغضب والهيجان، وكأنه أبصر في وجهها كل مآسي حياته. وبدفعة جبارة استمدها من قهر قلبه، قذف بها نحو "التنور" المستعر بجمر العشاء، لتلتهم النار أطرافها وتتعالى صرخاتها المستغيثة. لم يكتف بذلك، بل استلّ جَنْبيته وتقدم نحوها كقضاء مبرم، لينهي فصلاً من الغدر بدأ بكلمة، وانتهى بنار ودم.


.....................•..................

وللقصة بقية.