اليمن..... أولاً
إن المشهد اليمني اليوم يفرض على الجميع التمييز بين الخلافات السياسية المشروعة وبين المعركة الوطنية الكبرى. فقد تختلف القوى السياسية والعسكرية في الرؤى والبرامج وآليات الإدارة، وقد تتباين مواقفها تجاه كثير من القضايا، إلا أن هذه الخلافات يجب ألا تحجب حقيقة أن اليمن يواجه مشروعاً مسلحاً فرض نفسه بالقوة، وأدخل البلاد في دوامة من الصراع والانقسام، وأضعف مؤسسات الدولة، وأطال أمد المعاناة الإنسانية.
إن الحفاظ على الدولة لا يعني الدفاع عن أخطاء المسؤولين، كما أن المطالبة بالإصلاح لا تعني إسقاط مؤسسات الدولة أو إضعاف القوى التي تقف في مواجهة المشاريع التي تهدد كيان الوطن. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بالمحاسبة، وتعزيز الشفافية، وبناء المؤسسات، وليس بإحداث فراغ سياسي أو عسكري قد تستفيد منه القوى التي لا تؤمن بالدولة ولا بالتعددية ولا بالشراكة الوطنية.
الأدنى من تماسك الدولة تمثل ضرورة وطنية قبل أن تكون خياراً سياسياً.
لقد أثبت اليمنيون في محطات مفصلية من تاريخهم أن وحدة الهدف قادرة على تجاوز الخلافات، وأن الشعوب تنتصر عندما تجعل الوطن فوق المصالح الضيقة، وتقدم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية والشخصية. وهذه الروح الوطنية هي التي يحتاجها اليمن اليوم أكثر من أي وقت مضى.
إن المرحلة الراهنة تتطلب خطاباً وطنياً مسؤولاً، يرسخ ثقافة الحوار، ويشجع على النقد البناء، ويدعو إلى الإصلاح الحقيقي، دون أن يتحول إلى أداة لنشر الإحباط أو تمزيق الصف الوطني. فالأوطان لا تُبنى بخطابات الكراهية، ولا تستعاد بإضعاف مؤسساتها، وإنما بالإرادة الصادقة، والوعي، والعمل المشترك.
واليمن اليوم بحاجة إلى مشروع جامع يعيد الاعتبار للدولة، ويحفظ كرامة المواطن، ويؤسس لمرحلة يسودها القانون والعدالة والمواطنة المتساوية، بعيداً عن منطق السلاح والإقصاء والانقسام. فالوطن أكبر من الجميع، ومستقبله مسؤولية مشتركة، والتاريخ لن يرحم من جعل خلافاته السياسية سبباً في إضعاف وطنه أو تمزيق وحدته.
اليمن أولاً... وسيبقى الوطن هو القضية التي تعلو فوق كل القضايا، لأن الأوطان إذا ضاعت، ضاع معها الجميع.