جمعتني الأقدار ذات يوم ، بشيخ محترم ، من إحدى القبائل المجاورة ، في ديوان أحد المرجعيات ، والشخصيات التاريخية ، جلست إلى جانب الشيخ ، في الزاوية القصوى من الديوان . سبقني بالسؤال عن اسمي ، فعرفته بنفسي ، وكذلك هو فعل ، تقارب قلبانا ، كتقارب بدنينا ، وانسجم الفكران ، ومعهما انشرح العقلان ؛ لأننا كان كل منا يعرف الآخر جيدا ، لكن من خلال السمع فقط .
عند ذلك ، سألته ، علمت أنك قضيت زمنا ليس بالقليل في مراكز التهجير ، ومرابض اللجوء والإيواء ، هلا حدثتني عن تلك السنين ياشيخ ؟ ضحك حتى القهقهة ، ثم قال : بل سوف أحدثك عن أمر حصل لي بعد العودة إلى أرض الوطن ، هو أسوأ من تلك السنين الجدباء مجتمعة يا بني ، قلت : كأنك قد علمت ما في نفسي من شوق لسرديات ذلك الزمن المؤلم .
قال : بعد أن تمكن منا ذل التهجير ، وتجاهل قضيتنا الكبير والحقير ، وضايقنا القائد والغفير ، قررت العودة إلى أرض الوطن ، غير آبه بما تخبئه لي الأقدار ، وما قد أواجهه من فعل تلك العصابات ، وأولئك الأشرار . سلمت نفسي لإدارة أمن البلدة ، التي أبقتني رهين سجن إداري لبضعة أشهر ، ثم أخلت سبيلي بعد ذلك بضمانة ، على أن أبقى في مضارب البلدة ، تحت عيون الأجهزة الأمنية والاستخبارية للسلطة .
لم أتركه يكمل حديثه ، إذ قاطعته سائلا : يبدو أن الأمر كان جيدا إلى حد ما يا شيخ ، أليس كذلك ؟ قال : لا تستعجل يا بني ، فما زلت في أول الطريق . رفدني في ذلك الوقت بعض الخيرين من أبناء القبيلة ؛ بأعداد محدودة من الماشية ؛ كالماعز والضأن ، وأعادت لي السلطة ثلاثة فدادين من أرضي التي صادرتها ، وبذلك بدأت إعادة تأهيل نفسي للإنفاق على أسرتي . بعد ذلك بدأت أجمع بعض صغار الضأن والماعز ، والذهاب بها إلى سوق البلدة الأسبوعي - الذي لا يبعد عن مقر إدارة الأمن إلا بمئات الأمتار .
وفي الوقت الذي أنا ممسك بغنيماتي ، لعل أحدا يبتاعهن مني ، تفاجأت بثلاثة من أفراد الشرطة ، يكفتونني ، ويصفدونني بالأغلال ، ويرمونني إلى ظهر مركبتهم ، ثم يودعونني في السجن . بعد ثلاثة أيام ، زارني قائد أمن البلدة ، وهو يبدو متفاجئا بالأمر ، ثم سألني بأمر من أنت محبوس هنا يا شيخ ؟ قلت : لا أعلم ...
انتظروني في حلقة قادمة لاستكمال السردية أيها الأحبة .