آخر تحديث :الأربعاء-15 يوليو 2026-11:12م

الممرات البحرية... سلاح النفوذ في الشرق الأوسط

الأربعاء - 15 يوليو 2026 - الساعة 07:40 م
محمد المسبحي


في السياسة، لا توجد صدف. وما يبدو حدثا عابر في ظاهر المشهد، قد يكون في حقيقته جزء من لوحة أكبر تتداخل فيها المصالح والاستراتيجيات وحسابات القوة. ومن يقرأ الشرق الأوسط بعين الجغرافيا قبل السياسة، يدرك أن هذه المنطقة لم تكن يوما مجرد مخزن للطاقة، بل كانت ولا تزال عقدة العالم التي تتقاطع عندها طرق التجارة، وتتزاحم فوق مياهها الأساطيل، وتُرسم على ضفافها خرائط النفوذ الدولي.


ولهذا، فإن الصراع الدائر في المنطقة لم يعد يدور حول السيطرة على المدن أو كسب المعارك العسكرية فحسب وانما أصبح صراع على مفاتيح الحركة العالمية. فالممرات البحرية لم تعد مجرد خطوط لعبور السفن، وإنما تحولت إلى أوراق ضغط سياسية، وإلى أدوات يمكن من خلالها التأثير في الاقتصاد العالمي، وفرض معادلات جديدة على القوى الكبرى.


ومن هذا المنظور، تبدو إيران مدركة لحقيقة أن نفوذها لا يستند فقط بما تمتلكه من قدرات عسكرية، وإنما أيضًا بقدرتها على توظيف الجغرافيا في خدمة مشروعها السياسي. فمضيق هرمز يمنحها موقع استثنائي على واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم، بينما يوفر لها نفوذها عبر جماعة الحوثي في اليمن موطئ قدم على الضفة الأخرى عند باب المندب، حيث يلتقي البحر الأحمر بخليج عدن، وتعبر واحدة من أكثر طرق التجارة الدولية ازدحاما.


هذه المعادلة تجعل أي توتر في أحد المضيقين يتجاوز كونه أزمة إقليمية، ليصبح مصدر قلق للأسواق العالمية وللدول الصناعية الكبرى. فاقتصاد العالم لا يخشى نقص النفط بقدر ما يخشى انعدام اليقين، لأن مجرد الشعور بأن طرق الإمداد أصبحت مهددة يكفي لإرباك الأسواق ورفع تكاليف النقل والتأمين وإعادة رسم حسابات التجارة الدولية.


لكن المسألة لا تقف عند حدود الاقتصاد. فالحروب الحديثة لم تعد ترتكز بمنطق الجبهات التقليدية، وإنما بمنطق الاستنزاف طويل النفس. وكلما تعددت بؤر التوتر، ازدادت كلفة الانتشار العسكري، وتضاعفت الأعباء السياسية والاقتصادية على القوى المنخرطة في إدارة تلك الأزمات. ومن هنا، يرى كثير من المحللين أن توسيع مساحات التوتر يمنح إيران هامشا أكبر للمناورة، ويجعل خصومها أمام معادلة أكثر تعقيدا من مجرد مواجهة عسكرية مباشرة.


وفي المقابل، تبدو المملكة العربية السعودية أكثر إدراكًا لطبيعة هذا التحول. فالمملكة تعلم أن أمن البحر الأحمر وباب المندب لم يعد قضية يمنية أو إقليمية فحسب، بل أصبح جزء من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي، وأن أي إخلال بحرية الملاحة ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود المنطقة. ولهذا تبدو سياستها قائمة على موازنة دقيقة بين تجنب الانزلاق إلى صراعات غير محسوبة، وبين الحفاظ على مستوى من الجاهزية يضمن حماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية إذا اقتضت الظروف ذلك.


ودائما التاريخ يعلمنا أن الجغرافيا لا تتغير، لكن طريقة توظيفها هي التي تتغير. فالمواقع التي كانت في الأمس معابر للتجارة، قد تتحول اليوم إلى ساحات للصراع، والمياه التي حملت السفن لعقود طويلة قد تصبح أدوات للضغط السياسي إذا اختلطت حسابات النفوذ بطموحات القوى الإقليمية.


ولهذا، فإن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بما يجري فوق اليابسة، بل بما سيجري أيضًا فوق مياه هرمز وباب المندب. فهناك، عند تلك الممرات الضيقة، قد تُكتب فصول جديدة من الصراع الدولي، وقد تُرسم ملامح توازنات تتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى العالم بأسره. وحين تصبح الجغرافيا سلاحًا، فإن إدارة هذا السلاح بحكمة تصبح مسؤولية لا تقل أهمية عن امتلاك القوة نفسها.