يوم الأربعاء الماضي شهدت مدينة تريم بحضرموت خروج الآلاف في موكب جنائزي مهيب لتوديع شيخها ومفتيها وعالِمها الرباني العالِم ابن العالم، العابد الزاهد التقي الورِع الشيخ علي سالم بكيّر باغيثان الكندي بعد أن فاضت روحه إلى بارئها يوم الثلاثاء بعد صراع مع المرض أقعده في المنزل والمستشفى أشهر طويلة، والحمد لله أولاً وآخراً على قضائه وقدره
وحقيقة لا أدري كيف أبدأ الحديث عن هذا العالم الجهبذ الذي عرفته وتعرّف عليّ في مطلع التسعينات أثناء زيارتنا لمكتبة الأحقاف للمخطوطات التي كان أميناً لها.
ولم يحصل لي شرف التعرّف عليه عندما جاء إلى الهجرين مدرّساً لأنني قد اغتربت حينها وقد شهد له أهلها بأنه كان حاضراً في قلوبهم رغم قِصَر المدّة التي قضاها عندهم.
توثّقت علاقتي بعدها بالشيخ رحمه الله وصرنا نلتقي في مناسبات عديدة وكنت أزور تريم خصيصاً لزيارته وقد زارني إلى بيتي مرّات عديدة وصحبته إلى المساجد لأحضر دروسه وكان رجلاً متواضعاً زاهداً سريع البديهة يوافيك بمثلٍ وحكاية تاريخية عن كل حديث تتحدث معه.
وكان قريباً من كل الناس وكانت ذاكرته مليئة بكل المعلومات وبتفاصيل التفاصيل في الأنساب وغيرها فعندما تحدّثه عن فلانٍ من النّاس وأنه قد ارتقى مرتقىً صعباً فيتبسّم ضاحكاً ويقول لكنه في نظر أصحابه خفيف جداً.
كان بيته لا يخلو من الزائرين منذ الصباح الباكر وكان هاتفه لا يهدأ من كثرة الاتصال فكل الاتصالات مستفسرين عن قضايا فقهية أو مشاكل متعددة يبحث المتصل فيها عن حل.
وقد عاتبني ذات يومٍ عندما زرت تريم ولم أزره، لأن زيارتي كانت لحضور الفعّالية الغلط في الزمن الغلط.
وماذا عساي أن أكتب عنه، فإن كتبت فلن أوفيه حقه على الإطلاق، ولكنني سأمرُّ سريعاً على بعض مما عرفت وشاهدت.
في العام 1997م تقدّم الشيخ علي كمرشح لعضوية مجلس النواب في دائرته بمدينة تريم وكان ممثلاً للإصلاح وكان منافسه في الدائرة مرشح المؤتمر الشعبي والمرشح أحد الشخصيات القبلية، والطبيعي أن الفوز سيكون من نصيب الشيخ علي.
وعندما كانت المعركة الانتخابية على أشدها دعاني ذات يوم اللواء الشهيد محمد إسماعيل رحمه الله قائد المحور الشرقي الذي يكنُّ لي وأكنُّ له كل احترام، وأتيت إليه في مجلسه بمعسكر سيئون وكان المجلس مكتظّاً وعنده عدد مهول من مشايخ القبائل والقيادات العسكرية فأجلسني القائد بجواره فقال لي هل ممكن تذهب للشيخ لي وتقنعه بالانسحاب من الترشّح لعضوية مجلس النواب؟ فهو عالم ينبغي أن يتفرّغ للعلم والدعوة ويترك السياسة للسياسيين، فقلت له لكنه يرى أن فوزه في الانتخابات قد يخدم الدعوة، قال كله كلام في كلام، قلت له لكن إذا سارت الانتخابات فهو من سينال الأغلبية الساحقة لمكانته العلمية أولاً وللأغلبية العددية مقارنة بالمرشح الآخر، قال بلهجته أيِّن أغلبية وأيِّن.... الأوامر قد صدرت للمعسكرات كلها بالتصويت لمنافسه، فحفاظاً على مكانته وسمعته ينسحب وهذه رغبة الأخ الرئيس، فقلت له سأذهب إليه ولكن حسب توقّعي أن أصحابه لن يقبلوا بانسحابه.
عموماً تمّت الانتخابات وفاز الشيخ علي في منطقته لكن جاءت صناديق الصحراء غيّرت النتيجة كحال كثير من الدوائر الأخرى وفاز منافسه.
لكن مما يحسب للقادة من أبناء الهضبة الشمالية تحديداً وممن مازالت لديهم ثقافة النخوة القبلية الأصيلة تجري في عروقهم كأحفادٍ لسبأٍ وحِمْيَر وفي مقدمتهم الرئيس علي عبدالله صالح رحمه الله كانوا يقدّرون الآخرين وإن اختلفوا معهم فما هي إلاّ فترة وجيزة حتى صدر قرار رئيس الجمهورية بتعيين الشيخ علي سالم بكيّر باغيثان عضواً في مجلس الشورى تقديراً لمكانته العلمية.
وللشيخ علي رحمه الله مواقف متعددة ففي فترة إدارة الأستاذ صالح الخولاني محافظة حضرموت أمر بصرف قطعتي أرض في مدينة المكلا لعدد من العلماء والشخصيات الاجتماعية ومن ضمنهم الشيخ علي فرفض استلامها وقال لا يجوز لي أخذها وبيعها وليست لي القدرة في بنائها وليس لدي الرغبة بالسكن في المكلا، وهذا نموذج من نماذج العلماء الزاهدين رحمه الله.
الكلام كثير ويطول ولن أستطيع اختصاره في مقال سريع ولن أوفيه حقه.
فرحم الله الشيخ علي وغفر له ورزقه الله الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُنَ أولئك رفيقا.