اليوم الخامس عشر من شهر تموز (يوليو) 2026، يحتفي الساحل الحضرمي وحضرموت قاطبة بقدوم هذا "النجم المبارك"؛ حيث تبرد فيه مياه بحر العرب في منطقة محددة منه دون غيرها من السواحل، بفعل تحرك التيارات الهوائية الشمالية في هذا التوقيت تحديداً. فسبحان الخالق عز وجل على هذه النعمة العظيمة.
منذ سنوات وأنا من عشاق الاغتسال في مياه البحر، بدءاً من أوائل فصل الصيف وقبل أن تبدأ المياه بالبرود، وحتى نهاية موسم "البلدة" وربما ما بعدها بشهر كامل. أجد متعة لا تُوصف في الاغتسال والجلوس على الشاطئ، لدرجة أنني ألغي أي برنامج للسفر خارج المكلا خلال هذه الفترة الاستثنائية.
إن برودة البحر هذه الأيام هي نعمة ربانية كبرى، خاصة في ظل أزمة الكهرباء الخانقة التي تعيشها المكلا؛ حيث يمتد الانقطاع إلى خمس أو ست ساعات مقابل ساعتين فقط من التشغيل، والتي قد يستقطع منها مناوب الكهرباء ربع أو نصف ساعة لتوفير المازوت والديزل للمحطة والإدارة! ولا ندري حقاً: هل يتصرف هذا المناوب من تلقاء نفسه ليظلم سكان "حي المساكن الصديق" وغيره من الأحياء، أم أن هناك توجيهات مباشرة تمليها عليه إدارته؟
حراك شعبي وذكريات من الزمن الجميل
وبالعودة إلى "البلدة" ونجمها البارد، فقد رأيت السلطات المحلية تعمل على إصلاح بعض التقاطعات في الشوارع، وإضاءة المنصة ونصب الخيام بداخلها لاستقبال الموسم، واليوم هو اليوم الأول للاحتفال.
أما على الصعيد الشعبي، وتحت وطأة شح الأعمال والركود التجاري، فقد استغل العديد من المواطنين المناسبة لإنشاء مشاريع صغيرة؛ حيث نصب كل منهم طاولته وموقده على شاطئ البحر لبيع الشاي والـ "باخمري" وغيره لمرتادي الشاطئ في الصباح الباكر، سواء من أبناء حضرموت أو القادمين من المحافظات الأخرى للاستمتاع بالاغتسال.
الحقيقة التاريخية تقودنا لتذكر أن أول من احتفل بـ "البلدة" بشكل رسمي ومنظم في ساحل حضرموت هو المحافظ الأسبق (المتوفى) عبد القادر هلال - رحمه الله - ذلك الرجل الشمالي القادم من خارج حدود حضرموت.
لقد كان رجل دولة بامتياز؛ فهو من أسس المنصة والشوارع الجديدة، في حين أن محافظين وحكاماً حضارم كثر لم يقدموا ربع ما قدمه هلال لحضرموت، ولهذا يترحم الجميع على جهوده الشاهدة حتى اليوم، والتي تحاكي زمناً جميلاً انقضى دون رجعة.
خدمات متدهورة وأسعار كاوية
تشكو حضرموت اليوم من تدهور مريع في كافة الخدمات.
وحتى المحافظ (عضو مجلس القيادة الرئاسي الثماني) لم يشهد عهده أي تحسن ملموس في ملف الكهرباء، فمن يا ترى يتحمل السبب؟ هل هم مدراء عموم المرافق الخدمية (كهرباء، مياه، مجاري، تحسين المدن) بسبب تقاعسهم، أم لأنهم لا يجدون المتابعة الجادة لتجاوز هذه الاختلالات؟
نحن في حضرموت ننعم بنعمة الأمن والأمان والاستقرار - ولله الحمد - ولكن هل الأمن وحده يكفي للعيش الكريم؟
إن القادمين من خارج حضرموت يبحثون دائماً عما يتميز به الساحل؛ وأبرز ذلك وجبة السمك الطازج في "سوق حي العمال بالشرج". لكن الصدمة تكمن في الأسعار الكاوية؛ فلأول مرة في تاريخنا يصل سعر كيلو سمك "الثمد" الطازج إلى خمسة عشر ألف ريال يمني!
القادم من خارج المحافظة قد رصد ميزانية مسبقة لرحلته، لكن كيف للموظف أو المواطن الحضرمي البسيط أن يشتري كيلو سمك في ظل هذا الغلاء الفاحش؟ يتحجج الصيادون وناقلو الأسماك بارتفاع أسعار البترول والديزل، حتى بات البعض يتندر مازحاً بأن "مضيق هرمز" قد انتقل إلى ساحل حضرموت ليفسر هذا الجنون في أسعار المحروقات!
أين الدولة؟ وأين مسؤولو شركة النفط والسلطة المحلية؟ إن راتب الأستاذ الجامعي - على سبيل المثال - لا يتجاوز ما يعادل 800 ريال سعودي، أما الجنود والضباط فهم يعيشون في "سقرية" (وهي كلمة حضرمية تعني الراحة والضمان المالي النسبي) والبحث عن الأمن، بينما المعلم والموظف العادي وعمال القطاع الخاص يصارعون قسوة الحياة. فحسبنا الله ونعم الوكيل.
هل غابت هيبة الدولة وعين الرقيب؟
يتزامن موسم "البلدة" هذا العام مع موسم "خريف النخيل" (الرطب)، ورغم تذبذب أسعاره بين الارتفاع والانخفاض، إلا أنه ليس في متناول الجميع، فكل تفاصيل الحياة هنا مترابطة بصعوبتها.
تدعي السلطة المحلية أن لا دخل لها في تحديد الأسعار، ولكن من واجبها الأخلاقي والوطني فرض وجودها وهيبتها، على الأقل في تنظيم سوق السمك. كان الأحرى بها منع شاحنات نقل الأسماك (العوازل) من مغادرة حضرموت إلا بعد غروب الشمس، لضمان اكتفاء السوق المحلية وحصول المواطن البسيط على حاجته بسعر معقول أولاً.
لقد قرأت سابقاً أن السلطان القعيطي، عندما أراد "بن كوير" بناء مصنع لتعليب الأسماك، وافق على المشروع بشرط صارم: لا يُسمح للمصنع بشراء أسماك الثمد من السوق إلا بعد انتهاء ذروة شراء المواطن العادي بعد غروب الشمس.
والسؤال هنا:
هل تستطيع سلطة المحافظ الحالية إصدار قرار شجاع كهذا، مع وضع حراسة ومتابعة حقيقية لتنفيذه بدلاً من إصدار القرارات الحبرية التي تذهب أدراج الرياح؟
حضرموت أرض طيبة وشعبها أطيب، وهي بحاجة فقط إلى حاكم يتابع بمسؤولية ما يجري في دهاليز إدارته ويصلح الاختلالات.
وحتى يفرجها الله علينا ويرفع عنا نكبات هذه الحياة التي لا تُحصى.. اذهبوا واغتسلوا بمياه بحر "البلدة" الباردة، والله هو الحافظ والهادي إلى سواء السبيل.