هناك مدن تكبر لأنها تتوسع ومدن تكبر لأنها تُخطط ومدن تكبر لأنها تحترم الإنسان، لكن السنينة اختارت طريقاً آخر لقد كبرت لأنها ابتلعت كل شيء، ابتلعت الأرصفة وابتلعت الشوارع وابتلعت الوقت وابتلعت أعصاب الناس حتى كادت تبتلع صنعاء نفسها.
إذا أردت أن تشرح لشخص لم يزر اليمن معنى الفوضى المنظمة، فلا تره فيلماً وثائقياً ولا تعطه كتاباً في الإدارة الحضرية ولا تحدثه عن غياب التخطيط، خذه فقط في جولة إلى سوق السنينة ودعه يترجل من السيارة، عندها سيفهم دون مترجم أن الفوضى ليست حدثاً عابراً، بل أسلوب حياة.
منذ اللحظة الأولى تشعر أنك دخلت عالماً لا يشبه بقية صنعاء، المدينة التي كانت تُعرف يوماً بهدوئها النسبي وبشوارعها التي تمنح المار فرصة لالتقاط أنفاسه، تتوقف فجأة عند بوابة السنينة وكأنها تقول: من هنا تبدأ قوانين أخرى، لا إشارات مرور ولا أرصفة تؤدي وظيفتها ولا شارع بقي شارعاً ولا رصيف بقي للمشاة، كل شيء هنا قابل للتفاوض .. إلا حقك في المرور بسلام.
ولعل أكثر الأوصاف تداولاً بين أبناء صنعاء أن السنينة أصبحت "الصين الشعبية"، وليس في ذلك انتقاص من الصين أو من شعبها، وإنما تشبيه ساخر لحجم الكثافة البشرية والتجارية التي تجعل المكان يبدو وكأنه لا يعرف الفراغ أبداً، ملايين الخطوات آلاف الوجوه سيل بشري لا ينقطع وبسطات تمتد بلا نهاية حتى يخيل إليك أنك إذا رفعت رأسك فلن ترى السماء، بل لافتة إعلانية أو مظلة قماشية أو ذراع بائع يحاول جذب زبون جديد.
في السنينة لا يوجد شيء اسمه ساعة ذروة، الذروة هنا تعمل بنظام الأربع والعشرين ساعة، الشارع مزدحم صباحاً ومزدحم ظهراً ومزدحم مساءً وحتى في الليل، حين تبدأ صنعاء باستعادة هدوئها يبدو أن السنينة تتذكر أن لديها نوبة عمل إضافية، كأن السوق يرفض النوم أو كأن الضجيج وقع عقداً أبدياً مع المكان، قد تقف بسيارتك عشرين دقيقة لتقطع مسافة لا تستحق أكثر من دقيقتين، وخلال هذه الدقائق ستعيش عمراً كاملا من التأمل القسري، ستراقب بائعاً يفرش بضاعته فوق الرصيف ثم فوق نصف الشارع ثم ينظر إليك مستغرباً لماذا لا تتحرك سيارتك، وسترى سائق باص يتوقف في منتصف الطريق ليجمع الركاب غير مكترث بالطابور الذي صنعه خلفه وكأن الشارع ورثه عن أجداده، أما أبواق السيارات فهي اللغة الرسمية للسنينة.
لا أحد يعرف لماذا يضغط السائق على البوق وهو يعلم يقيناً أن السيارة التي أمامه لا تستطيع الطيران، ولا أن تتحول إلى طائرة مروحية لتفسح له الطريق، ومع ذلك يظل البوق يعمل بإخلاص ربما لأنه آخر ما بقي من الأمل، حتى الهواء هناك يبدو متعباً، غبار وعوادم وروائح طعام ورائحة وقود وأصوات تختلط ببعضها حتى يصبح من المستحيل أن تميز بينها، بائع ينادي على الطماطم وآخر يعلن تخفيضات على الملابس ومنادي الباصات يصرخ بأسماء الأحياء وسائق غاضب يسب وطفل يبكي ودراجة نارية تشق الزحام كرصاصة ضلت طريقها، كل ذلك يحدث في اللحظة نفسها ولو كان للضجيج بطولة كأس عالم، لحصلت السنينة على اللقب دون منافس.
لكن المدهش أن الناس تكيفوا مع كل هذا، ترى رجلا يحتسي الشاي وسط هدير السيارات وكأنه يجلس على شاطئ البحر وترى بائعاً يضحك بينما تكاد سيارتان تتصادمان أمامه وترى طفلاً يلعب بين المركبات وكأن الإسفلت حديقة عامة، في البداية تظن أنهم يملكون أعصاباً من فولاذ ثم تدرك الحقيقة المؤلمة: الإنسان قادر على الاعتياد على أي شيء .. حتى الفوضى.
في السنينة لا تمشي على الرصيف لأن الرصيف لم يعد موجوداً أصلاً، لقد احتلته البسطات ثم احتلته البضائع ثم احتلته الدراجات النارية حتى أصبح المشاة غرباء في المكان الوحيد الذي صُمم من أجلهم، وهكذا تجد نفسك مضطراً للنزول إلى الشارع لتشارك السيارات حقها في السير بينما تشاركك السيارات حقك في الخوف، كل خطوة مغامرة كل عبور انتصار صغير وكل وصول إلى الجهة الأخرى من الطريق يستحق احتفالاً صامتاً.
السنينة ليست سوقاً فقط بل امتحان يومي للأعصاب إنها المكان الوحيد الذي يجعلك تغادر منزلك متفائلا، ثم تعود إليه وكأنك خرجت من معركة لا من رحلة تسوق، وربما لهذا السبب لم يعد الناس يقيسون المسافات هناك بالكيلومترات بل بالصبر، فالمسافة بين أول السوق وآخره ليست ألف متر .. بل نصف ساعة من الانتظار وعشرات الأبواق ومئات الشتائم المكتومة وآلاف الأنفاس التي تُهدر في محاولة عبور شارع فقد منذ زمن طويل هيبته وربما فقد أيضاً ذاكرته.
المؤلم أن السنينة ليست فقيرة بالحياة بل غنية بها إلى حد الاختناق، هي سوق يملك كل أسباب النجاح لكنه يحمل أيضا كل أعراض الإهمال، فبدلاً من أن يكون قلباً اقتصادياً نابضاً يخدم المدينة تحول إلى قلب يضخ الفوضى في شرايينها، وحين تسأل نفسك: من الذي أوصل السنينة إلى هذا المشهد؟ لن تجد إجابة واحدة ستجد ألف إصبع يشير إلى ألف جهة، بينما تظل الفوضى .. هي الحاكم الوحيد الذي لم يخسر أي انتخابات.
وسط كل هذا الزحام ليست السيارات هي أكثر من يدفع الثمن، الإنسان هو الضحية الأولى، في السنينة لا تُستنزف المركبات بقدر ما تُستنزف الأعصاب، يخرج الموظف إلى عمله قبل ساعة، لا لأنه بعيد بل لأنه يعرف أن السنينة قد تقرر في لحظة مزاجية أن تحتجزه رهينة داخل شارع لا يتجاوز طوله بضع مئات من الأمتار، قد تصل إلى وجهتك متأخراً، لكنك تصل منهكاً قبل أن تبدأ يومك.
حتى الباصات التي يفترض أن تكون وسيلة لتخفيف الازدحام أصبحت جزءاً من المشكلة، تتوقف حيث تشاء وتنطلق حين تشاء وتتسابق مع غيرها على راكب واحد وكأن الركاب غنائم حرب أما داخلها فتبدأ رحلة أخرى من الصبر، ركاب متلاصقون نوافذ بالكاد تسمح بدخول الهواء حرارة خانقة وأصوات متداخلة حتى يخيل إليك أن الباص ليس وسيلة نقل، بل اختبار عملي لمدى قدرة الإنسان على الاحتمال.
والمرأة لها قصة مختلفة تماماً، تمشي وهي لا تنشغل فقط بالوصول إلى وجهتها بل بحساب المسافة بينها وبين كل نظرة وقحة وكل تعليق سخيف وكل محاولة لمضايقتها، هناك رجال يتعاملون مع الزحام كأنه فرصة .. لا أزمة، يختبئون خلف كثافة الناس ليبرروا سلوكاً لا يبرره دين ولا أخلاق ولا قانون، ولأن الجميع منشغل بالمرور تمر كثير من هذه المواقف بصمت، وكأنها جزء طبيعي من المشهد.
كم هو مؤلم أن تضطر فتاة إلى تغيير طريقها أو الإسراع في خطواتها أو تجاهل كلمات جارحة، فقط لأنها أرادت شراء حاجة من السوق، المدينة التي لا تمنح نساءها شعورا بالأمان لا تستطيع أن تدعي أنها مدينة طبيعية، ولأن السخرية أحياناً هي الطريقة الوحيدة لمواجهة الألم يخطر ببالك سؤال غريب: لو قررت الأمم المتحدة إدراج الضوضاء ضمن قائمة التراث العالمي، ألن تستحق السنينة أن تكون موقعاً محمياً؟ فهنا ستجد كل أنواع الأصوات التي عرفها الإنسان وربما أصواتاً لم يكتشفها العلم بعد، أبواق سيارات تضغط بلا سبب منادون يصرخون بأسماء الخطوط وكأنهم يعلنون نتائج انتخابات باعة يرفعون أصواتهم اعتقاداً أن ارتفاع الصوت يزيد جودة البضاعة ودراجات نارية تعتبر كاتم الصوت اختراعاً لا يناسبها.
في السنينة حتى الصمت يبدو تائهاً لا يعرف من أين يدخل، المشكلة أن كل طرف يرى نفسه ضحية، صاحب البسطة يقول إنه يبحث عن لقمة عيش وصاحب المحل يقول إن البسطة أكلت زبائنه وسائق الباص يشكو من السيارات وسائق السيارة يلعن الباصات والمشاة يلعنون الجميع، لكن الحقيقة المؤلمة أن الجميع بطريقة أو بأخرى أصبح يشارك في صناعة هذه الفوضى، من يحتل الرصيف يشتكي من الازدحام ومن يقف بسيارته في منتصف الطريق، يغضب لأن الحركة بطيئة ومن يرمي القمامة يتذمر من قذارة السوق ومن يضغط على بوق سيارته بلا توقف يشكو من الضجيج.
إنها مفارقة يمنية بامتياز، نلعن المشكلة صباحاً ثم نشارك في صنعها مساءً، ورغم كل ذلك لا يمكن أن تلقي اللوم على المواطن وحده، فالمدن لا تتحول إلى هذا الشكل بين ليلة وضحاه، العشوائية لا تنبت وحدها، إنها تكبر كلما غاب القانون وكلما تأخر التنظيم وكلما اعتقدت الجهات المعنية أن المشكلة ستحل نفسها بنفسها، لكن الفوضى لا تشفى بالإهمال، إنها تتغذى عليه، كل يوم يُترك فيه الرصيف محتلاً يصبح استعادته أصعب، وكل مخالفة تمر بلا محاسبة تفتح الباب لعشرات المخالفات الأخرى، حتى تصبح الفوضى هي القاعدة ويصبح النظام هو الاستثناء.
السنينة ليست مجرد سوق إنها مرآة، مرآة تعكس ما يحدث عندما تُترك المدينة لمصيرها، حين يتراجع التخطيط ويتقدم الارتجال، حين يصبح احترام الطريق وجهة نظر وحين تتحول حقوق الناس إلى تفاصيل صغيرة يمكن تجاوزها، ومن الظلم أن نقول إن السنينة قبيحة، هي ليست قبيحة بل منهكة، منهكة مثل سكانها منهكة مثل شوارعها منهكة من سنوات طويلة من التوسع العشوائي ومن غياب الحلول الجذرية ومن الاكتفاء بالمسكنات التي تختفي آثارها بعد أيام قليلة.
ولو أُعيد تنظيمها وأعيدت الأرصفة إلى أصحابها ونُظمت حركة الباصات وأزيلت التعديات وشُددت الرقابة على المخالفين، لتحولت إلى واحد من أهم المراكز التجارية في صنعاء، فالمشكلة ليست في السوق، المشكلة في الطريقة التي تُدار بها المدينة وربما لهذا السبب لا أشعر بالحزن على السنينة وحدها أشعر بالحزن على صنعاء، فالسنينة ليست جزيرة معزولة إنها رسالة يومية تقول إن المدينة يمكن أن تخسر نفسها تدريجياً دون أن تنتبه، تبدأ برصيف يُحتل ثم شارع يضيق ثم اختناق مروري ثم ضوضاء ثم خوف ثم اعتياد، وأخطر ما يمكن أن يصيب أي مدينة ليس الزحام.. بل أن يعتاد أهلها عليه ويتعاملوا معه باعتباره قدر لا مفر منه.
المدن لا تموت بانفجار واحد إنها تموت بالتقسيط، رصيف بعد رصيف وشارع بعد شارع وقانون بعد قانون، حتى نستيقظ ذات صباح فنكتشف أن السوق لم يعد داخل المدينة .. بل إن السوق هو الذي ابتلع المدينة كلها.