منذ الوهلة الأولى التي أُعلن فيها عن انطلاق العمليات العسكرية للتحالف العربي في اليمن، كان ثمّة مسار متوازٍ غير معلن يجري التأسيس له خلف واجهة "دعم الشرعية" وشعارات "الحسم السريع". لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية لإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، بل كانت، في جوهرها، عملية جراحية قيصرية استهدفت تفكيك ما تبقى من الهياكل السيادية لليمن وإعادة هندسة جغرافيته السياسية والاجتماعية بما يخدم مصالح إقليمية طالما رُسمت معالمها في الغرف المغلقة طوال عقود.
البعد العسكري: تصفية البديل السيادي وولادة المليشيا
قامت استراتيجية التحالف عسكرياً على ثنائية بالغة الخطورة: تفكيك المؤسسة الرسمية، وتخليق الكيانات الموازية. وقد تجلى هذا المسار في عدة أدوات تكتيكية واستراتيجية:
الاستهداف المنهجي للقيادات التاريخية
لم يكن غياب القادة الكبار في الحوادث الكبرى مجرد مصادفات عسكرية؛ بل بدا كعملية شطب ممنهج للرأس المدبر للمؤسسة العسكرية والأمنية.
ففي قاعدة العند، استهدفت طائرة مسيرة منصة الحفل لتقضي على نخبة من كبار قادة الاستخبارات والجيش الموالين للشرعية.
وفي صنعاء، كانت مجزرة "القاعة الكبرى" بمثابة تصفية جماعية للطبقة العسكرية والسياسية التاريخية التي كانت تدين بالولاء للرئيس السابق علي عبد الله صالح، مما أخلى الساحة تماماً من أي مراكز قوى تقليدية قادرة على قيادة توازن عسكري مستقل بعيداً عن الاستقطاب الإقليمي.
خلق المليشيات الموازية وطرد الجيش من عدن
عمل التحالف على رعاية قوى عسكرية "شعبية" لا تخضع لوزارتي الدفاع أو الداخلية، ولا تملك عقيدة قتالية وطنية بقدر ما ترتبط بشبكات مصالح واستخبارات تابعة لدول التحالف. ومن خلال الدعم المالي والتسليحي الموجه، تم تحريض هذه التشكيلات (الممثلة بالمجلس الانتقالي وأذرعه العسكرية) ضد معسكرات الدولة الشرعية في عدن، مما أدى في النهاية إلى صدام دامٍ انتهى بطرد ألوية الجيش الوطني وفرض سلطة الأمر الواقع المليشاوية.
سيناريو الشرق (حضرموت والمهرة) وتصفية الانتقالي
ظلت ألوية الجيش اليمني صامدة في المناطق الشرقية (حضرموت والمهرة) كآخر جيوب السيادة الوطنية. ومع نهاية عام 2025، غضت المملكة العربية السعودية الطرف عن تمدد قوات المجلس الانتقالي شرقاً لاستكمال مهمة تصفية ما تبقى من ألوية الجيش تحت لافتات سياسية مختلفة.
ولكن، ما إن انتهت المهمة التي لم يكن بمقدور السعودية القيام بها مباشرة لأسباب دبلوماسية، حتى برزت معادلة "فائض القوة"؛ حيث رفض الانتقالي بـ"غرور عسكري" الانصياع لأوامر الانسحاب والعودة إلى ثكناته في عدن. وجاء الرد العسكري الحاسم بـ"غطاء سياسي شرعي" ليخرج الانتقالي من المشهد العسكري والسياسي، وتولد على إثر ذلك قوة بديلة تحت مسمى "درع الوطن" لتأكيد تبعية المشهد العسكري بالكامل للاعب الإقليمي دون أي تمكين حقيقي للجيش الوطني اليمني.
البعد المدني: تجريف الحياة العامة وإدارة الانهيار
إذا كان المشهد العسكري قد اتسم بالتفكيك العنيف وإعادة البناء المليشاوي، فإن الملف المدني يمثل الوجه الأكثر قتامةً وإيلاماً في استراتيجية إخضاع المجتمع اليمني. هنا، لم يكن الهدف السيطرة على الأرض فحسب، بل تدمير البنية التحتية لليقظة الوطنية، وإفراغ المناطق "المحررة" من مقومات العيش الكريم لإبقاء المجتمع في حالة "إلهاء دائم" بالبحث عن أساسيات البقاء.
ويمكن تلخيص المشهد المدني تحت رعاية التحالف في النقاط التالية:
حرب الخدمات كأداة للتركيع السياسي
في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة، تحولت الخدمات الأساسية (الكهرباء، المياه، الصحة) إلى أوراق ضغط سياسي. لم تكن الأزمات المتتالية ناتجة عن عجز مالي فحسب، بل كانت تعبيراً عن سياسة "التعطيل المتعمد" لمنع أي نموذج ناجح للدولة في المناطق المحررة.
يعيش المواطن اليمني صيفاً لاهباً بلا كهرباء، وتتحول الاحتجاجات الشعبية المطلبية إلى وسيلة يتم توظيفها سياسياً لتصفية الحسابات بين شركاء الحكم وحلفاء الإقليم.
التدمير الممنهج للاقتصاد والعملة الوطنية
شهد الاقتصاد اليمني تدهوراً غير مسبوق تحت نظر ومباركة التحالف الذي أحكم قبضته على المنافذ البرية والبحرية والجوية، وعطل منشآت تصدير الغاز والنفط (مثل منشأة بلحاف).
أدى هذا التعطيل الشامل لمصادر الدخل القومي إلى انهيار تاريخي للعملة الوطنية (الريال)، مما سحق الطبقة الوسطى وحوّل أكثر من 80% من الشعب اليمني إلى حافة المجاعة وتحت رحمة السلال الغذائية والمساعدات الإنسانية التي تُستغل كأدوات لشراء الولاءات السياسية والاجتماعية.
تجريف الهوية والوظيفة العامة وصناعة النخب الهشة
عملت دول التحالف على إحداث اختراق عميق في بنية المجتمع المدني والوظيفة العامة:
استبعاد الكفاءات: تم استبدال الكوادر الإدارية المؤهلة في مفاصل الدولة بـ "زبائن سياسيين" يدينون بالولاء المطلق للممول الإقليمي.
إفساد النخب: تم إغراق النخب السياسية، الإعلامية، والثقافية بالمال السياسي، وجرى نفي القرار السياسي اليمني إلى عواصم الإقليم (الرياض وأبوظبي)، فأصبح قادة الدولة "الشرعيين" يعيشون في فنادق الشتات، بلا سيادة ولا قدرة على اتخاذ قرار يمس قوت يوم المواطن الذي يمثلونه.
الارتداد الجيوسياسي: عندما تنقلب الحسابات على المهندس
بعد مرور أكثر من عقد من الزمان على بدء التدخل، يقف المراقب متسائلاً أمام حصاد هذه السنوات: ماذا تحقق فعلياً من الشعارات البراقة عن إعادة الإعمار، دحر الانقلاب، وازدهار الاقتصاد؟ الواقع يجيب بوضوح: لم يكن التحالف يوماً عاجزاً عسكرياً عن حسم المعركة في بداياتها، بل قاد تدخلاً محكوماً بـ"فكر انتهازي"، رأى في إطالة أمد الصراع وعامل الوقت وسيلة ذهبية لاستنزاف طاقة اليمنيين وتفكيك هويتهم الوطنية لإعادة رسم خارطة الجغرافيا السياسية بما يتوافق مع أطماعه التاريخية. لكن، وكما يثبت التاريخ دائماً، فإن "الرياح لا تجري كما تشتهي سفن الانتهازية السياسية"؛ إذ ولّدت هذه المماطلة الطويلة ظروفاً جيوسياسية بالغة التعقيد لم تكن في الحسبان الإقليمي.
الصراع العسكري المفاجئ وعجز الحسم الغربي
جاءت المواجهة العسكرية المفاجئة التي شنتها الولايات المتحدة على إيران لتكشف حدود القوة الغربية؛ حيث عجزت واشنطن عن تحقيق حسم عسكري سريع وحاسم. هذا العجز ولد لدى طهران وأذرعها في المنطقة شعوراً عارماً بـ"فائض القوة" والغرور الاستراتيجي. هذا التحول وضع جغرافيا المملكة العربية السعودية في كماشة خانقة تحيط بحدودها وممراتها الحيوية.
كماشة المضائق: الحصار المزدوج
لو صدقت نوايا التحالف في بداية المعركة وتم تمكين اليمنيين من استعادة عاصمتهم التاريخية صنعاء وطرد القوى السلالية، لكانت الحدود الجنوبية للمملكة اليوم حزام أمانٍ وجداراً دفاعياً صلباً. أما اليوم، فقد تحولت هذه الحدود إلى "خنجر حاد" يهدد الأمن الوجودي للدولة السعودية.
فبينما تحكم طهران قبضتها على مضيق هرمز شرقاً، تسيطر سلطة الأمر الواقع في صنعاء على الضلع الآخر للكماشة عبر إحكام قبضتها على مضيق باب المندب جنوباً، ليرتسم بذلك حصاراً بحرياً واستراتيجياً خانقاً ومباشراً على دول الخليج وعلى المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص.
الدرس التاريخي المرير: هل تستوعب الرياض المعادلة؟
تقف المملكة اليوم أمام اختبار مصيري يفرض عليها مراجعة إرث "السياسة الانتهازية" التي أدارت بها الملف اليمني طيلة عقد كامل. فهل ستستفيد الرياض من هذا الدرس التاريخي؟
ثمن إضعاف الدولة الوطنية: إن أولى حقائق هذا الدرس هي أن تدمير الجيوش الوطنية وتفتيت الدول لصالح مليشيات هشة ومطيعة هو وصفة انتحار سياسي بعيدة المدى. فالمليشيا لا يمكن أن تبني عمقاً استراتيجياً يحمي الجوار، بل تظل بندقية للإيجار يسهل اختراقها أو تحييدها.
استعادة السيادة كضرورة أمنية للرياض: لم يعد تمكين اليمنيين من استعادة دولتهم وجيشهم الموحد وصنعاء التاريخية "ترفاً سياسياً" أو "منحة" تقدمها المملكة لليمنيين، بل بات ضرورة وجودية للدفاع عن الأمن القومي السعودي نفسه.
مأزق "حسابات الحقل والبيدر"
إن القراءة المتكاملة للمشهد اليمني تؤكد أن التدخل الذي بدأ تحت غطاء ترويض الجغرافيا اليمنية، انتهى بوضع صانع القرار الإقليمي في مأزق حصار جيوسياسي غير مسبوق.
لقد سعى التحالف إلى تحويل اليمن لكانتونات معزولة لتأمين مصالحه، فإذ بالنتيجة تأتي ارتدادية وقاسية: جبهة جنوبية مشتعلة، ممرات مائية دولية مخنوقة، وتهديد وجودي مباشر للحدود السيادية للمملكة. إن اليمن القوي، الموحد، والسيادي، ذو الجيش الوطني المتماسك، كان ولا يزال هو صمام الأمان الوحيد للجزيرة العربية بأكملها؛ وأي محاولة أخرى للاستعاضة عنه بمليشيات مستحدثة مثل "درع الوطن" أو غيرها، ليست سوى استمرار في ذات الدوران المفرغ في حلقة التيه الاستراتيجي، بانتظار لحظة الصدام الكبرى التي قد لا يملك فيها أحد ترف الوقت للمناورة.