آخر تحديث :الأربعاء-15 يوليو 2026-05:19ص

عدن.. الصبر الذي فاق الحدود

الثلاثاء - 14 يوليو 2026 - الساعة 10:54 م
عبدالناصر صالح ثابت


م. عبدالناصر صالح ثابت


في عدن، لم یعد الناس یعدّون الأیام، بل صاروا یعدّون ساعات انقطاع الكھرباء، وجرعات الماء، وما تبقى في الجیوب من نقود

لا تكفي لسد أبسط الاحتیاجات. ھنا، لم یعد الصبر فضیلةً یُمدح بھا الإنسان، بل أصبح عبئًا ثقیلاً یحملھ الجمیع، حتى فاق كل

الحدود.

عدن التي كانت یومًا مدینةً تنبض بالحیاة، أصبحت تتنفس بصعوبة. شوارعھا تعرف وجوه المتعبین، وبیوتھا تحفظ أنین

وھم یظنون أن الظلام جزءٌ طبیعي من اللیل، وأن الماء ضیفٌ یزور البیوت متى شاء. الأمھات، وأرصفتھا تشھد على خطوات رجالٍ أنھكتھم الحیاة وھم یلھثون خلف رزقٍ یسبقھ إلیھ الغلاء. أما الأطفال، فقد كبروا

الوعود، حتى صار المواطن یستقبل كل تصریح بابتسامةٍ حزینة، وكأنھ یردد في نفسھ" :كم مرة سمعنا ھذا الكلام؟" یا للمفارقة... كل شيء في عدن یطالب بالصبر، إلا قلوب الناس. فقد تعبت القلوب من الانتظار، وتشققت الأرواح من كثرة

صرختھ تضیع بین ضجیج التصریحات، فلا تجد من یصغي إلیھا. لیس البكاء ما یؤلم، بل الاعتیاد علیھ. ولیس الفقر وحده ما یكسر الإنسان، بل شعوره بأن معاناتھ أصبحت خبرًا عابرًا، وأن

في كل بقاع الأرض، یخلد الإنسان إلى النوم لیلاً مطمئنًا، ثم یستیقظ صباحًا متجھًا إلى عملھ أو جامعتھ أو مدرستھ، وھو یرسم

خطط یومھ. أما في عدن، فالأمر مختلف. یسھر الناس لا لأنھم یعشقون السھر، بل لأن الحر لا یرحم، والكھرباء غائبة، والقلق

لا یترك للعیون فرصةً للنوم. وعندما یطلع النھار، لا یكون السؤال: ماذا سننجز الیوم؟ بل: إلى أین سنذھب بحثًا عن الماء؟ ومن

أین سنوفر الوقود؟ وھل ستعود الكھرباء؟ وھل یكفي ما في الجیب لشراء ما یسد رمق الأسرة؟

لقد تحولت الحیاة إلى رحلة یومیة شاقة للبحث عن أبسط الحقوق التي ینبغي أن تكون مكفولة لكل إنسان. وأصبح الوقت یُستھلك

في مطاردة الخدمات المفقودة، والأعمار تُستنزف في طوابیر الانتظار، حتى غدا الأمل نفسھ یحتاج إلى من یبحث عنھ بین ركام

الإحباط.

الدموع، والذي تعجز الكلمات عن ترجمتھ. لم تعد المدینة تبكي لأن أحدًا قد یسمعھا، بل لأنھا لم تعد تجد لغةً تصف حجم وجعھا. لقد تجاوزت عدن مرحلة الأنین، وتخطت صرخات الشكوى، حتى بلغت مرحلة الصمت الموجع؛ ذلك الصمت الذي یسبق

وكأن عدن تقف على شاطئھا العریق، تخاطب العالم بصوتٍ مبحوح:

أنا عدن... فمن یحمل عني الجبال التي أثقلت كتفي؟

ومن یداوي قلبًا أنھكتھ السنوات؟

شكوتُ دھري لمن لا عھدَ لھ ولا ضمیر،

فزادني الصمتُ وجعًا، وزادتني الوعودُ انتظارًا.

ثم تھمس، رغم كل شيء:

سیُزھرُ الصبرُ یومًا بعدَ مُعترك،ِ

ویُولدُ الفجرُ من أحزانِ مُحترق.ِ

عدنٌ وإن أثقلَ الأیامُ كاھلَھا،

ستستعیدُ ضیاءَ البحرِ والألق.ِ