في صباحات عتق، حيث تهب رياح الصحراء وتعلو أصوات الحياة اليومية، يتجلى التناقض الصارخ بين واقع محافظة شبوة المعقد وصورتها التي تنسجها بعض القنوات و المنصات الإعلامية من خارج الحدود، في المشهد المهني، يفترض أن يكون الإعلام مرآة للمجتمع بحقيقته وتنوعاته. لكن ما تقدمه بعض القنوات، وعلى رأسها "قناة المهرية"، يبدو أقرب إلى مرايا معكوسة، حيث تتحول صورة المحافظ الشيخ عوض بن الوزير الرجل القبلي الذي يدير محافظة معقدة بتركيبتها الاجتماعية والسياسية إلى "مشروع تدمير شامل"، وفق السردية التي تروجها تلك القنوات و المنصات التابعة لها.
يتجاوز الهجوم الذي تشنه القناة ومذيعوها على محافظ المحافظة، الشيخ عوض بن الوزير، الذي يحمل أعباءً قبلية وإدارية معقدة، حدود النقد السياسي الموضوعي، الذي يحتاج إلى حجة وتدقيق وأرقام وتحول إلى "أداء استعراضي" في تقييم الشخصية، لكنه يظل بعيداً كل البعد عن وقائع الميدان.
الهجوم الممنهج الذي تشنه المهرية ليس نقداً سياسياً تقنياً مبنياً على تحقيق وأرقام، بل أداء إعلامي استعراضي. تُهاجم شخص المحافظ وتعرض أفعاله على أنها دليل مؤامرة أو تقصير متعمد، سواء اتخذ خطوات جريئة أو ارتأى الصمت. هذا الأسلوب يتحول إلى استبدال التحقيق بمعايير قراءة نوايا لا سند لها سوى آليات التضخيم والترويج.
ويكمن جوهر الأزمة في أن المحافظ بن الوزير يمثل نموذجاً مستقلاً لا يخضع لـ"الاملاءات الحزبية" الذي تريده تلك القنوات و المنصات. فهو رجلُ أفعالٍ لا أقوال، نأى بنفسه عن ضجيج الإعلام المفتعل، ويمارسُ عملَهُ في مسقط رأسِهِ، بمعزلٍ عن أروقة الإعلام الزائفة. وهذا بحد ذاته يُعدُّ "جريمة" في نظر أولئك الذين اختزلوا السياسة في منصات التواصل، وأدوات اللقاء الافتراضي .
وتعتمد هذه الحملات استراتيجية 'التضخيم العكسي'، حيث يُصاغ الإنجازُ تآمراً، ويُفسَّرُ التراجعُ تواطؤاً. وفي مفارقةٍ صارخة، تُرفع شعارات 'السيادة' من منصات تُدار وتموَّل من خارج الحدود، لتتحول هذه الشعارات إلى ديكورٍ إعلامي يفتقر لأدنى درجات الصدق مع الواقع.
إن إعلان الوطنية هنا يأتي بصوتٍ بعيدٍ عن جغرافيا الصراع، بينما تبقى تفاصيل الأرض وتعقيدات الواقع الميداني هي الفيصل، والسببُ الجذري لهذا الهجوم واضحٌ ولا لبس فيه فاستقلالية قرار (بن الوزير) تعيد ترتيب خريطة نفوذ لا تروقُ لأصحاب تلك المنابر. فالرجل بمرجعيته القبلية وانغماسه في الواقع المحلي، يفرض معادلات لا تتسق مع حسابات من أدمنوا الحزبية وممارسة السياسة من خلف الشاشات. إن هذه الاستقلالية أزعجت "التوجه الحزبي" الذي يدير تلك القناة ، مما يستدعي رداً لا يهدف إلى التغيير للأفضل بل يهدف إلى إحداث ضجيج مستمر لعرقلة المسار.
خلاصة المشهد أن تلك الحملات تُقَدِّمُ 'الصوت العالي' على 'التدقيق'، والمشهد الخارجي والحزبي على الفهم المحلي. يعود المذيع إلى مكتبه منتشياً بعد أداء مسلسل التشويه، بينما تبقى شبوة، بأرضها وقبائلها وتعقيداتها، مع محافظها الذي يقرأ واقعها بإنصاف لا عبر الشاشات.
وسيظلُّ الإعلام سلاحاً للحق والحقيقة، لكنه يفقدُ ميزته حين يتحول إلى مجرد أداةٍ حزبية خارجية ..
بقلم / محمد علي رشيد النعماني .