في الدول التي تحترم مؤسساتها، لا يتوقف العمل الحكومي بسفر وزير أو غياب مسؤول، لأن المؤسسة هي التي تدير الدولة، لا الأشخاص. أما حين تصبح صلاحيات تسيير الأعمال مرتبطة بشخص واحد، فإن ذلك يكشف خللاً إدارياً عميقاً يدفع المواطن ثمنه كل يوم.
قبل الحرب، كانت الوزارات والهيئات الحكومية تعمل وفق هيكل إداري واضح، وكان الوزير أو نائبه يمارسان اختصاصاتهما وفق القوانين واللوائح النافذة، بما يضمن استمرار العمل دون تعطيل. أما اليوم، فقد أصبح غياب الوزير أو سفره سبباً كافياً لتجميد معاملات المواطنين، وتعليق القرارات، وتأجيل مصالح الدولة، وكأن المؤسسة بأكملها قد توقفت عن العمل.
الأكثر إثارة للاستغراب أن كثيراً من نواب الوزراء ووكلاء الوزارات يجدون أنفسهم بلا صلاحيات فعلية، رغم تعيينهم بقرارات رسمية. فلا يستطيعون اتخاذ قرار، ولا توقيع معاملة، ولا إدارة شؤون الوزارة إلا في أضيق الحدود، لتبقى الملفات حبيسة الأدراج، أو تنتظر توقيعاً يُرسل عبر ملف PDF من خارج البلاد.
هذا الواقع يفرض تساؤلات مشروعة: لماذا يتم تعيين نواب للوزراء إذا كانوا محرومين من ممارسة اختصاصاتهم؟ وما الفائدة من وجود هيكل إداري كامل إذا كانت جميع الصلاحيات مركزة بيد شخص واحد؟ وهل يتوافق ذلك مع قانون الخدمة المدنية واللوائح المنظمة لعمل مؤسسات الدولة؟
إن استمرار هذا النهج لا يخدم المصلحة العامة، بل يكرس البيروقراطية ويعطل مصالح المواطنين، ويضعف أداء مؤسسات الدولة في مرحلة هي أحوج ما تكون فيها إلى إدارة مرنة وفاعلة قادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
إن بناء الدولة يبدأ من بناء المؤسسات، والمؤسسة الحقيقية لا تتوقف بسفر مسؤول أو غيابه، بل تستمر وفق نظام واضح يحدد الصلاحيات ويضمن انتقالها بصورة قانونية ومنظمة. أما ربط مصالح الناس بوجود شخص واحد، فهو نهج لا ينسجم مع مبادئ الإدارة الحديثة، ولا مع متطلبات المرحلة التي تستوجب تسريع الإنجاز وتخفيف معاناة المواطنين.
إن إعادة تفعيل مبدأ التفويض القانوني، وتمكين نواب الوزراء والقيادات الإدارية من ممارسة اختصاصاتهم، لم تعد خياراً، بل أصبحت ضرورة وطنية لضمان استمرارية العمل الحكومي، وحماية مصالح المواطنين، وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة. فالوطن لا يحتمل مزيداً من التعطيل، ومصالح الناس يجب أن تبقى فوق كل الاعتبارات.