منصور الصبيحي.
قبل أن تكون أهداف الرياضة ومنها كرة القدم بالذات، الترويح عن النفس وكسب الألقاب وحصد الجوائز: هي تقارب الشعوب والأمم وأعطاؤها فرصة كي تثبت ذاتها بطريقة حضارية مبرزة ما لديها ثقافات ومهارات، ولتكسب بها ثقة من حولها يغنيها عن اللجوء لمبدأ القوة والغلبة، إلا أن هذا وللأسف كثيرًا ما ينتهي إلى واقع معاكس يشعل الخلافات ويزكيها سياسيًا من جديد.
في تصريح لمدرب الأرجنتين للإعلام يعكس كثيرا من التموضع خلف كلمات غامضة، ليظهر فيها الرجل بخلاف عاداته التي عُرف بها في المرات السابقة، ومن قبل المباراة يبدأ يصعد كلاميًا مع الخصم ويرفع من معنويات لاعبيه، ليقول في هذه: الوصول إلى الربع النهائي يعتبر شرف كبير منوّها بما لقيه منتخبه من معاناة أمام المنتخب السويسري الذي وصفه بالمعد إعدادًا جيد بدنيًا ورياضيًا، بما يعنيه إقرار بصعوبة المهمة القادمة أمام منتخب بريطانيا، إن لم يكن اعتراف ضمني ومسبق بالفشل، وهو كمن يضع مقدمات تجنبًا للإحتقان في المباراة وتخفيفًا للصدمة على مشجعي منتخبه وقواعده الجماهيرية التي تعد من اكبر القواعد عالميًا.
ما قد يفسر ربما عن وجود ترتيبات جرت من خلف الكواليس، والأمور تمضي لصالح الإنجليز، تمهيدا لنزع فتيل أزمة عمرها اكثر من قرن وزادت حدتها من بعد عام ١٩٨٦م، وبهكذا تتدخل السياسة هذه المرة في الكرة من أوسع أبوابها.. فالمعروف عن الأرجنتين تعاني من عقدة الجزر المسماة لديها ماليفانس والمشهورة بفوكلاند عند العامة إذ تعتبرها جزءًا من أراضيها وما بريطانيا سوى بلدًا محتل لها، وقد عملت على استرجاعها مرارا وفشلت آخرها عام ١٩٨٢م وقد تمكنت فيها بسط يدها عليها، إلا أنّها ومن بعد حرب دامت 74 يوما اسفرت نتيجها عن تراجع قواتها أمام القوات الإمبراطورية العظمى، وسبق ذلك مونديال عام 86 المقام في المكسيك بأربع سنوات، ومن حسن الصدف أن شاءت الأقدار للدولتين تلتقيا في الدور ربع النهائي، حينها حالف الحظ الأرجنتين الفوز بهدفين مقابل هدف سجلهم مردونا واحد يوصف بهدف القرن ناتج أختراق بدء من خط الوسط لخمسة مدافعين، والآخر بحركة بهلوانية يبدو كما لو كان اشتراك بين الرأس ويده اليسرى، وفيما بعد اعترف بأن ما قام به بالفعل هو كذلك اشراك اليد بالرأس، متعمدًا استهجان بريطانيا بطريقة مقززة ومهينة قائلًا: (قليلًا من يد مردونا وقليلا من يد الله ضربت بريطانيا)، لتشاء الأقدار ومن بعد أربعين عام أن يلتقيا في الدور الإقصائي وبنفس الطريقة من جديد، وذلك في الوقت الذي مسألة الخلافات حول الجزر مازالت قائمة، ولم تسوى مشكلتها بعد والعلاقات بين الطرفين في أدنى مستوياتها وعادة ما يسودها الشد والجذب.
فكما للأرجنتين عقدة سببها بريطانيا، أيضا للأخيرة عقدة تصنعها الساحرة المستديرة وكأس العالم الذي غدى يرسم لديها حدود بين غطرسة القوة من جانب والقوة البدنية وشطارة الملعب من جانب آخر، وليهز هيبتها على كل رأس أربع سنوات، إذ لم تفز به سوى مرة واحدة على مر تاريخها وذلك في عام ١٩٦٤م، وقته لم تتركها عصابة المافيا تتهنى به، لتقوم بسرقته وأخفاءه، حتى عثر عليه من بعد أربع سنوات كلب بوليسي مخفيّا بداخل جذع نخلة على رصيف أحد شوارع لندن.
وبهذا الشكل يصبح كما لو كان مفتاح الحل الوحيد لكل واحدة مضغوط بكيس الأخرى، الأرجنتين العظيمة كرويا صاحبة الإنجازات ومنبع النجومية ومهبطها، جزءًا من تلك العضمة امتلكتها من خلف إقصاء الأمبراطورية العظمى اقتصاديًا وعسكريًا (بريطانيا )وحرمانها من خوض المباراة النهائية والحصول على اللقب، وبطريقة غير شرعية ومخالفة لمقاصد الكرة ومبادئها، ومن ذلك اليوم لم يحالفها الحظ، وكأن حركة النجم الكبير ديجو مردونا صارت لعنة تطاردها على طول دورات المونديال ، كأمر لا يتفق مع مكانتها الريادية والتاريخية في العالم ،ولا يتناسب مع ما تملكه من مقومات وأندية عريقة ودوريات تعتبر من أمتع الدوريات تأسر لب الملايين إثارة وتشويقًا، وحال فسح لها المجال بلوغ النهائي وعلى طريق انتزاع اللقب عن الصاعد من الشق المقابل، ستكسر حاجز الأحباط وتفطر عن صيام طويل، متجاوزة اسبانيا ومقتربة قليلًا من موقع المانيا وإيطاليا وفرنسا، وهنا تكتمل نصف الخطة والأرجنتينيون أدوا ما عليهم، ليبقى التكملة معقودًا بناصية الأنجليز ولندن الكرة في ملعبهم، ما عليهم سوى يكسروا شوكتهم بيدهم ويردوا الجميل بألمثل، وعلى قول المثل المصري (فك زنأتي أفك زنأتك ).
"ليصبح هذا المونديال بالنسبة للبلدين بمثابة تدشين عهد جديد من العلاقات وفتح مسارات متعددة للدبلوماسية، تسفر عن تفاهمات بينهما حول الجزر، أما الاعتراف للأرجنتين بسيادة كاملة عليها أو جزءية يتم من خلالها إدارتها واستثمارها مناصفة، وعفى الله عما سلف.