ومهما تباينت القراءات وتعددت المواقف، فإن التحرك الأخير للشرعية بعث مؤشرات لا يمكن إغفالها، وأعاد قدراً من التفاؤل بإمكانية انتقالها من مرحلة ردود الأفعال إلى مرحلة المبادرة وصناعة الحدث. فقد أثلج الصدور ما أظهرته من فاعلية وحزم في فرض سيطرتها على مجالها الجوي، بما أعاد إحياء الآمال بعد فترة طويلة من الجمود، وأوحى بإمكانية تحريك المياه الراكدة، واستعادة حضورها في معادلة الحرب والسلام بصورة تختلف كلياً عما كان عليه المشهد في السابق.
كما عكس ذلك استعادة ثقة التحالف العربي الداعم لها، بقيادة الشقيقة الكبرى، التي تسخر إمكاناتها وقدراتها لضمان عودة اليمن إلى محيطه العربي أكثر قوةً وتماسكاً.
ويبدو أن هناك تحولاً جوهرياً في تعاطي الشرعية مع الأحداث، تجلّى في ظهور فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي بثلاثة بيانات مباشرة، أوضح فيها أسباب الإجراءات المتخذة وأهدافها. فهل يمكن اعتبار هذه الخطوة بداية مرحلة جديدة لفرض سيادة الشرعية على مجالها الجوي وحمايته من الاختراق؟ أم أنها تمثل مدخلاً لاقتراب العد التنازلي لمواجهة حاسمة مع جماعة الحوثي، التي سيطرت على صنعاء في ظروف ما تزال تثير كثيراً من علامات الاستفهام، وسط صمتٍ أثار من التساؤلات أكثر مما قدم من الإجابات؟
وعادةً ما تطول الإجابة عن مثل هذه الأسئلة الافتراضية، رغم أن الواقع يقترب منها يوماً بعد آخر.
ولعل ما تناولته في مقالٍ سابق حول تمرد الشيخ القبلي حمد فدغم يندرج في هذا السياق، باعتباره أول خروجٍ للقبيلة التي تمثل إحدى ركائز النفوذ التقليدي في اليمن، وهي سابقة يمكن البناء عليها إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية متكاملة. وهو مطالب بتخليص خطابه من الانفعال، والاستماتة على استعادة اليتمية اليمن، لا اليتمة فقط لانها ذرة غالية منها.
ولايمكن التقليل من قيمة أول تمرد قبلي على الحوثي، وان طال انتظاره، لكنها جاء في توقيت بالغ الأهمية، تزامناً مع استعادة الشرعية زمام المبادرة في استخدام أدواتها السيادية، في مشهد قد يكشف عن بداية تصدع داخل بنية المليشيا. فالجماعة التي دخلت العاصمة صنعاء بقوة السلاح لن تخرج منها إلا بقوة السلاح أيضاً، متى ما استعادت القبائل وعيها الوطني، لا الديني باعتبار الزيدية مدرسة شافعية بامتياز. وعملت على تقديم الانتماء لليمن على أي ولاءات أخرى.
وربما تتحقق مقولة العلامة اليمني الكبير محمد إسماعيل العمراني، عندما خاطب فلول المليشيا عقب الاعتداء على مكتبه في صنعاء قائلاً: "لقد دخلتم صنعاء بذنوبنا، وستخرجون منها بذنوبكم." وهي مقولة تستحق التأمل العميق، لما تحمله من دلالات تاريخية وبصيرة نافذة لرجل يُعد أحد أبرز علماء اليمن والعالمين العربي والإسلامي.
فكم أهلك الظلم أمماً، وأسقط حضارات