آخر تحديث :الثلاثاء-14 يوليو 2026-11:08م

من نضال العمال إلى أمان المستقبل الوعي التأميني عهد الكرامة

الثلاثاء - 14 يوليو 2026 - الساعة 07:13 م
نجيب الكمالي


لم تبدأ قصة التأمينات الاجتماعية من مكاتب الإدارة ولم تكتب فصولها الأولى بالحبر فقط بل كتبت بعرق العمال وتضحياتهم ونضالهم الطويل من أجل حق إنساني عميق وهو أن يجد الإنسان من يحميه عندما تتراجع قوته وأن لا تتحول سنوات عطائه إلى قلق وخوف من المستقبل

فالتأمينات الاجتماعية هي ثمرة مسيرة نضالية أدرك خلالها العمال أن العمل ليس مجرد ساعات تقضى مقابل أجر بل رحلة عمر يقدم فيها الإنسان جهده وصحته وشبابه في خدمة المجتمع ومن هنا جاءت فكرة الحماية الاجتماعية لتكون ضمانا يحفظ كرامة الإنسان أمام ثلاثة مخاطر لا يملك أحد إيقافها وهي الشيخوخة والعجز والوفاة

فعندما تضعف السواعد التي حملت أدوات البناء وعندما يأتي يوم لا يستطيع فيه العامل مواصلة عمله وعندما يغيب المعيل وتبقى الأسرة تبحث عن الأمان تظهر القيمة الحقيقية للتأمينات الاجتماعية باعتبارها ليست مجرد نظام مالي بل عهد إنساني يحفظ حق العامل ويصون مستقبل أسرته

لقد جاءت التأمينات الاجتماعية لتؤكد حقيقة مهمة وهي أن العامل ليس رقما في كشف الرواتب ولا أداة إنتاج تنتهي قيمتها بانتهاء قدرتها على العمل بل هو إنسان له كرامة وحقوق وأسرة ومستقبل يستحق الحماية

وفي عدن وبعد قرار نقل المركز الرئيسي للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عام 2019 بدأت مرحلة جديدة في مسيرة المؤسسة إذ أصبحت العاصمة المؤقتة عدن تحتضن قيادة المؤسسة العامة بما تحمله من مسؤولية وطنية وإدارية كبيرة في إدارة منظومة التأمينات والإشراف على فروعها في المناطق المحررة

فالمركز الرئيسي يمثل مركز القرار والرؤية الاستراتيجية ويضع السياسات العامة للمؤسسة بينما تمثل الفروع الواجهة الأقرب إلى المجتمع والذراع التنفيذية التي تلامس احتياجات العمال وأصحاب العمل وتحول أهداف المؤسسة إلى خدمات حقيقية

ومن هنا فإن نجاح المؤسسة لا يعتمد على جهة واحدة بل على التكامل بين المركز الرئيسي والفروع فالمركز يرسم الطريق والفروع تنقل الرسالة إلى الميدان وبينهما تتشكل قوة المنظومة التأمينية وقدرتها على حماية الإنسان

إن قوة مؤسسة التأمينات لا تقاس فقط بحجم هيكلها الإداري بل بقدرتها على الوصول إلى كل عامل وتوسيع مظلتها لتشمل أكبر عدد ممكن من العاملين لأن كل عامل مؤمن عليه هو أسرة محمية ومستقبل أكثر أمنا ومجتمع أقل عرضة للفقر والاحتياج

فالمعاش التأميني ليس مجرد مبلغ مالي بل هو جدار حماية يمنع انهيار الأسرة عند فقدان مصدر الدخل ويحافظ على تعليم الأبناء ويمنحهم فرصة لمواصلة حياتهم بعيدا عن التسرب من التعليم أو الانجرار إلى مسارات خطرة بسبب الفقر والحرمان

ومن هنا فإن التأمينات الاجتماعية لا تمثل حماية اقتصادية فقط بل تمثل حماية اجتماعية وأمنية للمجتمع بأكمله

لكن يبقى التحدي الأكبر أمام المؤسسة هو التهرب التأميني فهذا التهرب لا يحرم المؤسسة من مواردها فحسب بل يحرم العامل من حقه في الأمان ويحرم أسرته من السند عندما تأتي لحظات الحاجة

إن مواجهة التهرب التأميني ليست معركة إجراءات فقط بل هي قبل ذلك معركة وعي وثورة الوعي لا تبدأ بقرار إداري ولا تصنع بالمنشورات وحدها بل تبدأ عندما يدرك الإنسان قيمة حقه ومسؤوليته تجاه مستقبله

فالعامل الذي يعرف حقه لن يقبل أن يعمل خارج المظلة التأمينية وصاحب العمل الذي يدرك مسؤوليته سيعرف أن تسجيل عماله ليس عبئا ماليا بل استثمار في استقرار منشأته ومجتمعه

إن صناعة ثورة الوعي التأميني تحتاج إلى الانتقال من لغة القوانين الجامدة إلى لغة الإنسان فالناس لا تتفاعل مع النصوص وحدها بل مع المعاني التي تمس حياتها اليومية وعندما يدرك العامل أن التأمين يحميه في حالة العجز ويضمن له معاشا عند الشيخوخة ويحفظ أسرته بعد الوفاة تتحول التأمينات من إجراء إداري إلى ثقافة مجتمعية

وهنا يأتي الدور المحوري للمتخصصين في العلاقات العامة والإعلام التأميني فهم ليسوا مجرد ناقلين للأخبار والبيانات بل صناع وعي وبناة ثقة بين المؤسسة والمجتمع

فرجل العلاقات العامة والإعلام المتخصص هو من يحول النصوص القانونية إلى رسائل إنسانية يفهمها العامل وصاحب العمل وهو من يشرح أن الاشتراك التأميني ليس خصما من الراتب بل أجر مؤجل يحمي المستقبل

إن الاستثمار في الإعلام التأميني والعلاقات العامة ليس عملا ثانويا بل هو استثمار في مستقبل المؤسسة نفسها لأن المؤسسات لا تعيش بالقوانين فقط بل بثقة الناس بها وقربها منهم

إن المؤسسة تشبه في تكوينها هرما اجتماعيا قاعدته العمال المؤمن عليهم وقمته المتقاعدون والمستفيدون وكلما اتسعت القاعدة بالوعي والالتزام أصبح الهرم أكثر قوة وقدرة على الوفاء بالتزاماته تجاه الأجيال

ومع التغيير الجديد في قيادة المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية المركز الرئيسي عدن تبرز فرصة لبناء مرحلة جديدة تقوم على التطوير والتوسع وتعزيز الثقة بين المؤسسة والمجتمع ويصبح نشر الوعي التأميني وتوسيع قاعدة المشتركين هدفا استراتيجيا لا يقل أهمية عن أي هدف آخر

فالأوطان لا تبنى بالمشاريع الكبرى وحدها بل بقدرتها على حماية الإنسان الذي يصنع تلك المشاريع

وحين يطرق الغد الباب فإن الإنسان لن يبحث فقط عما جمعه في سنوات القوة بل عما ضمنه لنفسه ولأسرته من أمان وكرامة

التأمينات الاجتماعية عهد بالكرامة وثورة الوعي التأميني هي الطريق لحماية العامل وصون الأسرة وبناء مستقبل أكثر عدلا وطمأنينة.