كان الحوثيون في طريق عودتهم من طهران، يطلقون التهديدات والوعيد، ويرفعون سقف التحدي، وبدا وكأنهم يحضّرون لمعركة حقيقية، ضمنوا فيها الحسم العسكري وتحقيق النصر الخاطف.
التقطوا الكثير من الصور، وقالوا في فيديوهات مصوّرة من داخل مطار طهران قبل الصعود على سلم الطائرة: "نحن عائدون إلى مطار صنعاء، ولن يجرؤ أحد على منعنا، ولقد كسرنا الحصار إلى الأبد".
وكان من الواضح أن أغلبهم أيضًا يحاولون إخفاء حقيقة المشاعر التي تسيطر عليهم، فتفضحهم مفاصلهم التي ترتعد خوفًا مما ينتظر عودتهم، فقد كانت حالة القلق واضحة على وجوههم الشاحبة، وبدا وكأنهم لم يناموا ليلة البارحة ولا قبلها، حيث يمكن ملاحظة مظاهر الإعياء والتعب بسهولة في ملامح وجوههم القلقة.
فهذه المرة كانت تحذيرات الحكومة مختلفة وجادّة، وحين يتعلق الأمر بالسيادة اليمنية، فإن حميتها فرض واجب ملزم لا يسقط ولا يقبل بالتباطؤ، فجاءت توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي حاسمة بمنع هبوط الطائرة في مطار صنعاء مهما كلّف الأمر، مضافًا إلى تلك التوجيهات الصلاحيات المسنودة إليه باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة.
فخرج وزير الدفاع اليمني في خطاب واضح وصريح بأنه لن يسمح بعودة الطائرة الإيرانية إلى مطار صنعاء، وأن على الميليشيات الحوثية ومن خلفهم إيران تحمّل تبعات هذا التصعيد، الذي سيواجه بحزم.
بدأ الشارع اليمني في لحظات حماس غير عادية، رغبة في مشاهدة النصر الذي تحققه الشرعية في تلقين الميليشيات الحوثية درسًا لا ينسونه، وحمل موقف الحكومة لعموم المواطنين أن لحظات النصر تقترب، وأن سقوط الميليشيات وشيك، وبدأت وكأنها تحفر قبرها بأيديها من خلال إطلاق الضجيج والإصرار على الهبوط بالطائرة الإيرانية في مطار صنعاء للعودة بوفدها من طهران، وممارسة الاستفزازات، وتجاهل كل التحذيرات التي أطلقتها الشرعية اليمنية وتأكيداتها القاطعة بأنها لن تسمح بانتهاك السيادة.
وربما كانت تراودها النفس أن تمر تلك الانتهاكات، وأن الشرعية قد تغض الطرف عن حماقاتها مرة، وكأنها لم تصغِ جيدًا لخطاب رئيس الحكومة الدكتور شائع الزنداني قبل أقل من أسبوع على عودة هذه الطائرة، في خطاب ربما هو الأول من نوعه من قبل رئيس وزراء الحكومة الشرعية، موجّه للمواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، بما حمله من توضيحات كافية لكل الجهود التي بذلتها الحكومة من أجل عدم الانزلاق نحو الحرب، وإفساح الطريق أمام نجاح الوساطات السعودية العمانية، وتجاوبها وتعاطيها الإيجابي مع كل المبادرات الرامية لإحلال السلام، وما قدمته الحكومة من مبادرات من أجل إعادة العمل بمطار صنعاء، التي تصرّ الميليشيات الحوثية على فرض الحصار عليه، وتسويق الوهم والأكاذيب للمواطنين في مناطق سيطرتها عن حصار مزعوم، هي بالأساس من فرضته على المطار حين نهبت أموال شركة الخطوط الجوية اليمنية، وأصرّت على التحكم بمصيرها، ومن ثم نهب الطائرات الأربع التابعة لأسطول اليمنية، ثم استدعاء إسرائيل لقصفها دون أدنى شعور بفداحة الخسارة. وعلى الرغم من دلالات وتوقيت خطاب الشرعية الأخير قبل ساعات الحسم، إذا ما أصرّت الميليشيات الحوثية على المضي في التصعيد وتجاهل تحذيرات الحكومة، التي قال رئيسها بمنتهى الوضوح: "لن نسمح أبدًا بانتهاك السيادة"، وهو الخطاب الذي أعاد الأمل لدى المواطنين في عزم الشرعية على وضع نهاية لحماقات الحوثي.
لكن صباح الأمس لم يكن يشبه كل الصباحات، فقد انبثق مع خيوط الفجر شعاع الأمل الذي أحيا الأمنيات المنتظرة والمؤجّلة لدى الناس، من انقشاع ظلام الليل الذي طال، وحانت معه قدوم الفجر.
كانت الناس تتابع بحماس منذ لحظة انطلاق الطائرة الإيرانية في طهران، لحظة بلحظة، من خلال رحلة التتبع عبر الأقمار الصناعية، وحبس الأنفاس بانتظار وصولها الأجواء اليمنية في صنعاء، حيث امتلكت نفوس الناس ثقة كبيرة بأنها لن تتمكن من الهبوط، وأن الحكومة لن تسمح بذلك. كان الوقت يمر بطيئًا جدًا، وكانت خطوات انطلاق الطائرة وسيرها في الأجواء شبيهة بتسديدة الكابتن ماجد للكرة، في مسلسل الأطفال الشهير، والتي تستغرق أربع حلقات حابسة الأنفاس كي تصل إلى المرمى، لكنه حين تصل ترتطم بالقائم، لتعيد التذكير بالسفينة التي انطلقت قبل سنوات من إيران، يوم كانت في أوج قوتها، وقيل إنها تحمل مساعدات إيرانية وتعتزم كسر ما قيل عنه الحصار، بينما هي القوانين الدولية الصارمة التي تخضع كل السفن المتجهة إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الميليشيات الحوثية للتفتيش. كان قد استغرق وصول السفينة من إيران إلى المياه الإقليمية أكثر من عشرة أيام، وسط حالة من الإثارة والترقب، وحين وصلت كانت ملزمة بالخضوع للتفتيش الدقيق، وكان من الصعب أن يُسمح لها بالمرور دون ذلك. وحين وصلت إلى ميناء الحديدة، كانت تحمل مياه الشرب، فكانت النتيجة محبطة لأنصار الحوثي، مع كميات الضخ الإعلامي وتصوير أن قدوم السفينة الإيرانية يحمل معه النصر المحقق للميليشيات الحوثية، فحملت معها العار والخزي، وفضحت زيف الدعاية الحوثية القائم على التضخيم والمبالغة وادعاء النصرات المزعومة، وإقامة الاحتفالات بالرقص على وقع الزوامل والخطب المعادة للسيد المزعوم زعيم الجماعة.
فكما لم تصل السفينة الإيرانية المحمّلة بالمياه للحوثي دون تفتيش، لم تهبط الطائرة الإيرانية التي تابع اليمنيون مسار رحلتها البطيء من إيران باتجاه صنعاء، ولم تتمكن من الهبوط فيه، لأنه لم يكن مسموحًا بذلك وفق ما اتخذته الحكومة اليمنية من قرار، اعتبرت حدوث ذلك انتهاكًا للسيادة، وسوف تقوم بكل ما يلزم في حماية السيادة باعتباره خطًا أحمر.
لكن الطائرة التي تابع مسارها عموم اليمنيين لحظة بلحظة، كانت قد أخفت نظام التتبع عن رادارات الرصد، كما يفعل كل القراصنة وعصابات ومافيا التهريب، وغاب خبرها عن أعين اليمنيين التي أنشغلت بالمتابعة لمسار الرحلة، ليتضح لاحقًا أنها كانت قد هبطت في مطار الحديدة، وسط تغاضي الشرعية التي أرادت بذلك خفض التصعيد، بعد أن كسرت يقينًا شوكة الحوثي ومن خلفه إيران.
حيث اختارت الشرعية عبر رأس هرمها، فخامة الرئيس رشاد العليمي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الخروج من موقع القوة في إصدار التوجيهات بخفض التصعيد وعدم الاشتباك مع القوى المعادية، وتقديم خطاب قدّم سلام الشجعان للمرة الأخيرة، وتعامل مع الطائرة المذعورة بمن فيها بمنحها فرصة أخيرة للحياة والسلام، مع التأكيد بأنها ستكون الفرصة الأخيرة لها، محذرًا بأن الحكومة لن تسمح مرة أخرى بانتهاك الأجواء اليمنية، وليس في مطار صنعاء فقط، مثلما حذرت المرة السابقة ونفذت، ولكنها لن تسمح مرة أخرى بهبوط الطائرة الإيرانية، في إيا من المطارات، صنعاء أو غير صنعاء، ولا حتى بالمرور أو الإقتراب من الأجواء اليمنية، .. فأرونا ماذا أنتم فاعلون.