دعوني أطرح لكم تقديري للموقف في مجموعة من النقاط:
أولًا: أريد أن أقول إن تداعيات الطائرة الإيرانية ليست تفصيلًا صغيرًا من تفاصيل الحرب اليمنية، ولا يمكن فصلها عن مجمل التطورات والصراعات التي تجري في المنطقة.
ثانيًا: أرى أن تعامل المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية مع أزمة الطائرة الإيرانية كان مختلفا لدرجة كبيرة، وأن ما جرى يمثل مرحلة مهمة من مراحل استعادة القرار العسكري بالنسبة للحكومة اليمنية، بإسناد من المملكة العربية السعودية.
ثالثًا: أقدر أن الرد الحوثي ما يزال حتى هذه اللحظة عند مستوى أقل من المستويات التي اعتاد الحوثيون الذهاب إليها في مثل هذه الحالات، بعد استهداف مطار أبها وإيقاف الرحلات فيه لفترة.
رابعًا: الجيش اليمني الحكومي لم يعد هو ذات الجيش الذي كان عليه قبل سنوات، فهو بعد خروج الإمارات العربية المتحدة من اليمن وحل المجلس الانتقالي أصبح في حال أفضل، رغم كل المعوقات التي لا تزال تعترض طريقه.
خامسًا: لا يعني ذلك أن القرار العسكري قد اتُّخذ فعلًا بالذهاب إلى الحرب، ولكن كل المؤشرات تدل على أن مواجهة قادمة، سواء طال الوقت أم قصر.
سادسًا: ما جرى في قضية الطائرة الإيرانية كان اختبار إرادات واضحًا. الحوثيون وإيران أرادوا تأكيد قدرتهم على تكرار رحلة الثالث من يوليو وفرض أمر واقع جديد، بينما أرادت الحكومة والسعودية القول إن ما حدث سابقًا لن يتحول إلى قاعدة دائمة. ولذلك فإن المواجهة هنا لم تكن على طائرة فقط، بل على من يفرض قواعد الحركة والسيادة في الأجواء اليمنية.
سابعًا: يشعر الحوثيون بالكثير من القلق والخوف، ليس فقط بعد حادثة طائرة ماهان الإيرانية، ولكن منذ فترة طويلة. وقد كان العمل الذي قامت به السعودية في محافظتي حضرموت والمهرة ضد المجلس الانتقالي مؤشرًا عسكريًا وسياسيًا مهمًا بالنسبة للحوثيين.
ثامنًا: الحوثيون كانوا يراقبون خلال السنوات الماضية حالة الانقسام داخل المعسكر المناهض لهم، وربما بنوا جزءًا كبيرًا من تقديراتهم العسكرية على أن هذا المعسك
ر غير قادر على اتخاذ قرار موحد. أي تغير في هذه المعادلة سيجعلهم يعيدون حساباتهم.
تاسعًا: لا أعتقد أن الحوثيين يريدون الآن الذهاب مباشرة إلى حرب شاملة مع السعودية، رغم سقف التهديدات المرتفع. هم يدركون أن أي مواجهة جديدة ستكون مختلفة عن السنوات الأولى للحرب، وأن البيئة الإقليمية والدولية تغيرت كثيرًا.
عاشرًا: في المقابل، لا يبدو أن السعودية تريد حربًا مفتوحة أيضًا، لكنها، في تقديري، بدأت ترسم خطوطًا جديدة لما يمكن السماح به وما لا يمكن السماح به، وقضية الطائرة الإيرانية كانت واحدة من أهم الاختبارات لهذه الخطوط.
حادي عشر: إيران من جهتها اختبرت إلى أي مدى يمكنها تحويل مطارات مناطق سيطرة الحوثيين إلى نقطة اتصال جوي مباشر بينها وبين صنعاء، وما جرى يؤكد أن هذا المسار سيواجه بردود فعل، ولن يكون مفتوحًا دون كلفة سياسية أو عسكرية.
ثاني عشر: أخطر ما في المشهد أن قواعد الاشتباك القديمة بدأت تتغير. نحن أمام رسائل عسكرية أكثر وضوحًا، وقرارات أكثر جرأة، وردود فعل يمكن أن تتدحرج سريعًا إذا أخطأ أي طرف في حساباته.
ثالث عشر: أعتقد أن السؤال لم يعد: هل ستقع مواجهة؟ بل متى ستقع، وما حجمها، وهل ستكون مواجهة محدودة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، أم أنها ستتوسع إلى حرب جديدة؟
وأخيرًا: تقديري أن المواجهة مؤجلة، لكنها تقترب كلما استمرت إيران والحوثيون في اختبار الخطوط الجديدة، وكلما شعرت الحكومة اليمنية والسعودية بأن مرحلة الصبر وإدارة الأزمة لم تعد كافية.
#أحمدالشلفي