آخر تحديث :الثلاثاء-14 يوليو 2026-02:54ص

حضرموت… الامتداد الطبيعي لرؤية السعودية اللوجستية

الإثنين - 13 يوليو 2026 - الساعة 08:57 م
م. صالح بن سعيد المرزم


شهد العالم خلال العقدين الماضيين تحولات غير مسبوقة في مفهوم القوة. فلم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو عدد السكان أو القدرات العسكرية، بل أصبحت تُقاس أيضًا بمن يملك مفاتيح التجارة، ومن يستطيع إبقاء سلاسل الإمداد العالمية تعمل مهما كانت الأزمات.


لقد كشفت جائحة كورونا، ثم الحرب في أوكرانيا، ثم اضطرابات البحر الأحمر، وأخيرًا أزمة مضيق هرمز عام 2026، حقيقةً لم يعد أحد يستطيع إنكارها: الاقتصاد العالمي لم يعد يحتمل الاعتماد على ممر واحد أو دولة واحدة أو خيار واحد.


ولهذا بدأت الدول الكبرى تعيد رسم خرائط التجارة من جديد.


وفي قلب هذه الخرائط الجديدة تقف المملكة العربية السعودية.


لم تعد المملكة مجرد أكبر مصدر للطاقة في العالم، بل أصبحت مشروعًا استراتيجيًا لإدارة حركة الاقتصاد العالمي.


فالمملكة تقع عند نقطة التقاء ثلاث قارات، ويعبر بالقرب منها ما يقارب ثلث التجارة البحرية العالمية، كما أنها تشرف على أحد أهم الممرات البحرية عبر البحر الأحمر، وتملك أكبر اقتصاد عربي، واستقرارًا سياسيًا ومؤسساتيًا يجعلها بيئة جاذبة للاستثمار طويل الأجل.


ولذلك لم تكن رؤية المملكة 2030 مجرد خطة تنموية، بل مشروعًا لإعادة تعريف دور المملكة في الاقتصاد العالمي.


فقد تقدمت المملكة سبعة عشر مركزًا في مؤشر الأداء اللوجستي العالمي، من المرتبة (55) إلى (38)، مع هدف الوصول إلى قائمة أفضل عشر دول عالميًا بحلول عام 2030.


كما توسعت المراكز اللوجستية بنسبة تجاوزت 67%، مع تنفيذ عشرات المشاريع الجديدة لإنشاء شبكة من 59 مركزًا لوجستيًا حديثًا، وربطها بالموانئ والمطارات والسكك الحديدية والطرق السريعة.


وفي الوقت نفسه، شهدت الموانئ السعودية قفزات كبيرة في قدرتها الاستيعابية، بينما تضاعفت كميات البضائع المنقولة عبر السكك الحديدية عدة مرات، وانخفض زمن التخليص الجمركي من أيام إلى ساعات، وهو تحول ينعكس مباشرة على تنافسية الاقتصاد الوطني وثقة المستثمرين.


لكن الإنجاز الحقيقي لم يظهر في المؤشرات، بل ظهر أثناء الأزمات.


فعندما تعرضت المنطقة لاضطرابات الملاحة في مضيق هرمز عام 2026، لم تتوقف حركة التجارة السعودية، لأن المملكة لم تعتمد على منفذ واحد، بل بنت منظومة متكاملة تشمل خطوط أنابيب إلى البحر الأحمر، وموانئ متطورة على الساحل الغربي، وشبكات طرق وسكك حديدية قادرة على إعادة توجيه حركة البضائع بسرعة وكفاءة.


وهذا هو الفرق بين دولة تملك موانئ، ودولة تملك استراتيجية.


من إدارة النفط… إلى إدارة العالم


لسنوات طويلة، كان العالم ينظر إلى المملكة باعتبارها ضامنًا لاستقرار أسواق الطاقة.


أما اليوم، فإن المملكة تتحول تدريجيًا إلى ضامن لاستقرار التجارة العالمية نفسها.


وهذا التحول أكثر أهمية من النفط.


فالنفط سلعة يمكن أن توجد في أكثر من مكان، أما الموقع الجغرافي إذا اقترن بالرؤية والاستقرار والاستثمار، فإنه يتحول إلى ميزة لا يمكن استنساخها.


ومن هنا يمكن فهم حجم الاستثمارات السعودية في الموانئ، والمناطق الاقتصادية الخاصة، والمطارات، والسكك الحديدية، والمدن الصناعية، ومشاريع مثل الجسر البري السعودي، ونيوم، وأوكساجون، والمشاركة في الممرات التجارية الدولية، التي تهدف إلى جعل المملكة عقدة رئيسية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.


أين تأتي حضرموت في هذه المعادلة؟


إذا نظرنا إلى الخريطة بعين الجغرافي، سنرى المملكة تسيطر على البحر الأحمر والخليج العربي، لكن إذا نظرنا إليها بعين المخطط الاستراتيجي، سنكتشف أن اكتمال المنظومة اللوجستية الإقليمية يرتبط أيضًا بالامتداد الطبيعي نحو بحر العرب والمحيط الهندي.


وهنا تبرز حضرموت بوصفها إحدى أهم البوابات البحرية على بحر العرب، وبإطلالة مباشرة على المحيط الهندي، بعيدًا عن كثير من نقاط الاختناق البحرية التقليدية.


ومن منظور استشرافي، فإن أي تكامل مستقبلي بين المملكة وحضرموت من شأنه أن يضيف بعدًا استراتيجيًا جديدًا، يتمثل في توفير منفذ إضافي على المحيط الهندي، وتعزيز مرونة حركة التجارة، وخلق خيارات متعددة لسلاسل الإمداد العالمية.


ولا يقتصر الأمر على الموانئ وحدها، بل يمتد إلى إمكانية ربط الموانئ بشبكات طرق وسكك حديدية وخطوط طاقة ومناطق صناعية ومراكز تخزين وخدمات لوجستية، بما يجعل المنطقة جزءًا من شبكة مترابطة تخدم حركة التجارة بين الشرق والغرب.


فالموقع الجغرافي لحضرموت يمنحها قابلية لأن تكون منصة بحرية وصناعية ولوجستية إذا توافرت لها البيئة المؤسسية والاستثمارات المناسبة، وهو ما قد يعزز، في حال تحقق ضمن أطر سياسية واقتصادية مستقرة، مكانة المنطقة في حركة التجارة الدولية.


الإمساك بخيوط سلاسل الإمداد العالمية


إن الدول التي ستقود القرن الحادي والعشرين ليست بالضرورة الأكثر سكانًا، وإنما الأكثر قدرة على ربط العالم ببعضه.


ومن يملك الموانئ، والسكك الحديدية، والطاقة، والمناطق الصناعية، والمخازن، والبيانات، وشبكات النقل الذكية، يملك عمليًا مفاتيح الاقتصاد العالمي.


ولهذا فإن المشروع السعودي لا يتوقف عند بناء ميناء أو طريق أو مدينة جديدة، بل يهدف إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة تجعل المملكة مركزًا لاتخاذ القرار اللوجستي العالمي.


وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى حضرموت – ضمن رؤية مستقبلية – باعتبارها امتدادًا جغرافيًا يمكن أن يعزز هذه المنظومة إذا توافرت الظروف السياسية والتنموية الملائمة، بحيث تصبح المنطقة جزءًا من شبكة أوسع تربط الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي في منظومة واحدة.


عندها لن يكون الربط بين الشرق والغرب مجرد ممر تجاري، بل شبكة استراتيجية متعددة المسارات، أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات، وأكثر جاذبية للاستثمار، وأكثر تأثيرًا في الاقتصاد العالمي.


لقد تجاوزت المملكة مرحلة الاعتماد على تصدير النفط، ودخلت مرحلة صناعة النفوذ الاقتصادي من خلال التحكم في تدفق التجارة والخدمات وسلاسل الإمداد.


وهذا التحول، إذا استمر بالوتيرة نفسها، سيجعل المملكة أحد أهم المراكز اللوجستية في العالم، بينما قد تمثل حضرموت، في إطار رؤية مستقبلية للتكامل الإقليمي، الامتداد البحري الذي يضيف بعدًا جديدًا لهذه المنظومة، ويمنحها مرونة أوسع في ربط الشرق بالغرب، وتحويل المنطقة إلى إحدى أهم العقد التجارية في القرن الحادي والعشرين.