آخر تحديث :الأربعاء-22 يوليو 2026-01:40ص

الذين قتلوا قيمة العلم... لم يطلقوا رصاصة واحدة

الأحد - 12 يوليو 2026 - الساعة 03:04 م
أ. سارة عبدالحكيم



هناك جرائم لا تُقاس بعدد الضحايا، بل بعدد الأحلام التي دُفنت وهي ما تزال تتنفس.

وهناك أوطان لا تُهزم حين تخسر معركة، بل حين تخسر احترامها للعقل، وتعتاد أن ترى المتعلم واقفًا في طوابير الانتظار، بينما تمر السنوات فوق كتفيه كما تمر الرياح فوق المقابر.

إن أخطر كارثة يمكن أن تصيب أمة ليست انهيار اقتصادها، ولا ضعف عملتها، ولا حتى خراب طرقها ومدارسها، فكل ذلك يمكن إصلاحه. أما الكارثة التي يصعب ترميمها فهي أن يفقد الإنسان ثقته بأن العلم يغيّر مصيره، وأن تتحول الشهادة من وعدٍ بالمستقبل إلى ورقةٍ تؤجل بها الأحلام عامًا بعد عام.

كم من طفلٍ قيل له: اجتهد... فاجتهد.

وقيل له: كن الأول... فكان الأول.

وقيل له: الوطن بحاجة إلى علمك... فحمل وطنه في قلبه قبل أن يحمله في كتبه.

ثم، عندما انتهى من رحلته الطويلة، لم يجد وطنًا ينتظره، بل وجد أبوابًا موصدة، ووعودًا مؤجلة، وصمتًا أطول من سنوات الدراسة نفسها.

أي رسالةٍ هذه التي نغرسها في نفوس الأجيال؟

أن النجاح لا يكفي؟

أن التفوق لا يكفي؟

أن الإخلاص لا يكفي؟

بل ربما أصبح الاجتهاد نفسه عبئًا على صاحبه، لأنه يوقظه كل صباح على سؤالٍ موجع: لماذا تعبت؟

لقد تخرجتُ في تخصصي وكنت من أوائل دفعتي. لم يكن تفوقي مصادفة، ولم تكن خطواتي عادية. خضت أعمالًا وتجارب علمية، وواجهت تحديات فكرية ومهنية، وأقدمت على ما لم يجرؤ كثيرون من أبناء جيلي على الإقدام عليه. لم أصنع ذلك غرورًا، بل إيمانًا بأن الإنسان لا يُقاس بما يحمله من لقب، بل بما يملكه من قدرة على الإنجاز.

كنت أظن أن الكفاءة تفرض نفسها.

ثم اكتشفت أن الكفاءة، وحدها، قد لا تجد من ينظر إليها.

ولم يكن ذلك وجعًا شخصيًا فحسب، بل كان اكتشافًا مؤلمًا لحقيقة يعيشها آلاف الخريجين الذين يحملون العلم في عقولهم، ولا يجدون مكانًا يحملهم في وطنهم.

وهنا لا تصبح البطالة أزمة دخل، بل أزمة معنى.

فالعاطل عن العمل لا يفقد راتبًا فقط، بل يفقد جزءًا من يقينه بأن ما بذله من عمره كان له قيمة.

إن الدول تُقاس اليوم بعدد العقول التي تستثمرها، لا بعدد المباني التي تشيدها. أما حين يصبح أصحاب الكفاءة خارج دوائر التأثير، فإن الوطن يبدأ بخسارة معركته مع المستقبل قبل أن تبدأ.

أيها القائمون على التربية والتعليم...

إن المعلم الذي تنتظرون منه أن يصنع الأجيال، يحتاج أولًا إلى أن يشعر أن وطنه لم ينسه.

وإن الطالب الذي تطلبون منه أن يحلم، يحتاج إلى أن يرى حلمًا واحدًا تحقق أمامه.

لا تطلبوا من الأطفال أن يؤمنوا بقيمة التعليم، بينما يشاهدون أوائل الدفعات وقد تحولت شهاداتهم إلى أوراق محفوظة في الأدراج، تنتظر وظيفة لا تأتي.

إن الوطن الذي يهمل أبناءه المتفوقين، لا يعاقبهم وحدهم، بل يعاقب نفسه.

فكل عقلٍ يذبل، هو مشروع مدرسةٍ لم تُبنَ.

وكل باحثٍ أُهمل، هو اكتشافٌ لم يولد.


وكل معلمٍ جلس في بيته، هو آلاف الطلاب الذين حُرموا من أثره.


وحين نصمت أمام هذا المشهد، فإننا لا نصمت عن البطالة، بل نصمت عن اغتيال المستقبل.


ولعل أكثر ما يؤلم ليس قلة الفرص، وإنما اعتيادنا عليها، حتى أصبح الخريج إذا بقي سنوات بلا عمل، قيل له: "اصبر"، وكأن الصبر وظيفة، وكأن العمر لا يمضي، وكأن الطموح لا يشيخ.


أيها المسؤول...


سيأتي يوم تغادر فيه مكتبك، ويزول منصبك، وتُطوى التواقيع التي كنت تضعها كل صباح.


لكن شيئًا واحدًا سيبقى.


سيبقى السؤال الذي سيطرحه عليك ضميرك قبل أن يطرحه عليك التاريخ:


كم عقلًا أنقذت؟


وكم عقلًا تركته يموت بصمت؟


إن الأمم لا تُهزم عندما يقل المال، بل عندما يصبح الإنسان أقل قيمة من كرسي، وأقل حضورًا من معاملة مؤجلة، وأقل أهمية من ختمٍ على ورقة.


وحينها... لا تبحثوا عن أسباب التأخر.


ابحثوا عن آلاف الكفاءات التي كانت تستطيع أن تغيّر هذا الوطن، لكنها استُنزفت في الانتظار.


ليس لأنهم كانوا أقل علمًا...


بل لأن أحدًا لم يؤمن بأن العلم وحده يستحق أن يُفتح له الباب.


وما من وطنٍ يخذل أبناءه المتفوقين إلا ويكتب بيده أول سطور هزيمته.


---


سارة عبد الحكيم


معيدة جامعية، وخريجة تؤمن أن قيمة الإنسان تُصنع بعلمه، وأن الأوطان التي تحفظ كرامة الكفاءات هي وحدها التي تكتب مستقبلها بيدها، لا بيد الصدفة.