آخر تحديث :السبت-11 يوليو 2026-08:25م

هّلْ ثمّة حقًا رواية يمنيّة أو رواية تونسيّة؟ بينَ جوازِ السفر والمتن السردي!

السبت - 11 يوليو 2026 - الساعة 04:29 م
د. مجيب الرحمن الوصابي



مِن غرائبِ ما يستوقفني في بعض الممارسات النقدية العربية أننا قد نختلف طويلًا حول الراوي والمروي له أو عليه، والبنية والزمن السردي، والواقعية السحرية والنقدية وما بعد الحداثة، ثم لا نلبث أن نتفق على نحو يبدو بديهيًا؛ على أمر آخر قلما نتوقف عند مساءلته:


فإذا كان الروائي يمنيًا فالرواية يمنية، وإذا كان تونسيا قيل أن الرواية تونسية، وإذا كان فرنسيًا أُلحقت بالرواية الفرنسية.


وكأن النصوص الأدبية تُعرض على موظف الأحوال المدنية قبل أن تُعرض على النقاد... بدأ هذا السؤال يلحّ علي بعد حوار جمعني بالأستاذ إبراهيم السعافين، حين وجدت نفسي أعيد التفكير في معنى ان تصف رواية بأنها يمنية أو تونسية. ومنذ ذلك اللقاء ظل السؤال يرافقني؛ فهل يكفي جواز سفر الكاتب ليمنح النص هويته الأدبية؟.


أنما لو أخذنا هذا المنطق إلى نهايته لرأينا أرواحنا أمام مفارقات طريفة؛ فهل تصبح رواية تدور أحداثها كلها في الدانمارك، وتستنطق تاريخ الفاكينج وثقافتهم، رواية يمنية لأن مؤلفها حسين الماس؟ يمني أديب مقيم في الدنمارك منذ نهاية السبعينات ومتجنس... انقطعت اخباره عني فجأة منذ أشهر.


وهل تتحول رواية كتبها أجنبي عاش عقودًا في صنعاء أوعدن، وامتلأت شخوصها ولهجاتها وأسئلتها بالواقع اليمني، إلى نص أجنبي خالص لأن صاحبها لا يحمل جواز سفر يمنيًا؟


هنا تبدأ الإشكالية الحقيقية. فالمسألة ليست لغوية فحسب، وليست مجرد خلاف حول ياء النسبة أو حرف الجر، بل هي سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الهوية الأدبية ذاتها: هل تنتمي الرواية إلى مؤلفها أم إلى عالمها السردي؟ وهل الهوية الأدبية معطى قانوني أم بناء ثقافي وجمالي؟


من أين جاءت فكرة "الرواية الوطنية"؟


في تاريخ الأدب الحديث، نشأت تسميات تصنيفية كبرى مثل "الرواية الروسية"، "الرواية الفرنسية"، و"الرواية المصرية" لتشير إلى حقول أدبية متكاملة تشكلت داخل سياقات تاريخية وثقافية معينة. ولم يرتكز هذا التصنيف تقليدياً على جغرافية الأحداث فحسب، بل على انتماء المبدعين إلى منظومات ثقافية، ومؤسسات نشر، ودوائر قراءة ونقد تشكّل معاً هويّة الحقل الأدبي.


إلّا أنّ هذا المنظور الشامل يكتسب بُعدًا أكثر خصوصية وراديكالية عند الانتقال إلى سياق الرواية اليمنية، وفق الرؤية النقدية الصارمة للأستاذ المخضرم إبراهيم السعافين، وتصوّر العلّامة أحمد علي الهمداني؛ إذ يضع هذا الأخير معايير حاسمة لتجنيس الرواية بوصفها رواية يمنية. ولا يكتفي الهمداني بجعل هوية المؤلف اليمنية شرطًا أساسيًا، بل يوسّع نطاق هذا الاشتراط ليشمل تطابقًا تامًا بين هوية المؤلف والبنية الداخلية والخارجية للنص؛ فيشترط أن تتمحور الرواية حول موضوعات يمنية، وأن تنمو أحداثها وتتحرك داخل زمان ومكان يمنيين محددين، وأن تنهض بشخصيات تحمل أسماءً وملامح يمنية خالصة


الحق يقال؛ بينما يميل المفهوم العام للحقل الأدبي إلى المرونة والاعتراف بالامتداد الثقافي العابر للحدود، تؤصل رؤية الهمداني لـ "محلية صارمة" ترهن شرعية الرواية بمدى انغماسها في واقعها المحلي، واشتباكها الحيوي مع حركة الرواية اليمنية وتأثيرها فيها "من المهد إلى اللحد"، لتصبح الرواية عنده وثيقة جمالية واجتماعية لا تقبل التجزئة أو الاغتراب عن منشئها.


ومن هذه الزاوية لا يبدو مصطلح "الرواية اليمنية" خاطئًا في ذاته، لأنه يحيل إلى تقليد أدبي ساهم في بنائه كتاب يمنيون داخل سياق ثقافي يمني.


غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الوصف الإجرائي إلى معيار حصري للانتماء، فيُختزل النص في جنسية صاحبه، وتُهمّش الأسئلة المتعلقة بالمكان والمتخيل والثقافة واللغة والموضوع.


لقد دفعت تحولات النقد الحديث إلى إعادة النظر في مركزية المؤلف، والالتفات أكثر إلى النص نفسه: إلى شخوصه، وأمكنته، وتمثيلاته الثقافية، وصوره عن المجتمع والتاريخ.


فالرواية لا تحمل هوية واحدة بالضرورة، بل قد تتقاطع داخلها هويات متعددة. هناك هوية الكاتب، وهوية اللغة، وهوية المكان، وهوية الثقافة الممثلة داخل السرد، وهوية القارئ الذي يعيد إنتاج المعنى.


ومن هنا يصعب التسليم بأن الانتماء الأدبي يمكن حسمه بالرجوع إلى جنسية المؤلف وحدها.


فلو كتب روائي غير يمني نصًا يستغرق في وصف المجتمع اليمني وتاريخه وتحولاته وأسئلته الوجودية، فإن هذا النص يكتسب- بدرجات متفاوتة-موقعًا داخل الفضاء الثقافي اليمني، حتى لو بقي صاحبه خارج التصنيف التقليدي للرواية اليمنية.


تزداد المسألة تعقيدًا حين نتأمل أدب الهجرة والشتات.


فأين نضع أعمال علي أحمد باكثير؟ وأين نصنف أدب عبد الرزاق قرنح؟ وهل تكفي الأصول العائلية للحكم على هوية النص؟ أم تكفي اللغة؟ أم يكفي المكان؟


إن مثل هذه الحالات تكشف محدودية التصنيفات الصلبة، لأن الكاتب قد يحمل ذاكرة يمنية، ويعيش في فضاء آخر، ويكتب بلغة ثالثة، ويتوجه إلى جمهور رابع.


ولذلك فإن الأدب المعاصر يدفعنا إلى التفكير في الهوية بوصفها شبكة من العلاقات المتحركة لا جوهرًا ثابتًا.


اللغة: وطنٌ أم أداة؟


يزداد هذا السؤال تعقيدًا عندما تُكتب التجربة اليمنية بلغة غير العربية؛ إذ لا يعود الإشكال مقتصرًا على هوية الكاتب أو موضوع النص، وإنما يمتد إلى اللغة التي يُنجز بها العمل الأدبي. فاللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي حاملة لذاكرة الأمة، وخزانٌ لثقافتها، ووسيطٌ تتشكل من خلاله رؤيتها إلى العالم.


ومن هذا المنطلق، يذهب أستاذنا نور الدين بنخود إلى جعل اللغة المعيار الحاسم في تحديد الهوية الأدبية، ويرى أن الأدب لا ينتمي إلى أمة إلا إذا كُتب بلغتها؛ فاللغة، في تصوره، ليست وسيلة للكتابة فقط، وإنما هي الوطن الحقيقي للنص، والوعاء الذي يمنحه انتماءه الثقافي والحضاري. وبناءً على ذلك، فإن العمل الذي يتناول قضايا يمنية، ويكتبه مؤلف يمني بلغة أجنبية، يظل-وفق هذا التصور- خارج دائرة الأدب اليمني بالمعنى الدقيق.


غير أن هذا المعيار يثير إشكالات تطبيقية ونقدية، ولا سيما في التجارب الأدبية التي نشأت في سياقات الاستعمار أو الهجرة. ويبدو المثال التونسي من أبرز النماذج الدالة على ذلك؛ إذ يكتب عدد كبير من الأدباء بالفرنسية، كما توجد تجارب بالإنجليزية والإيطالية والإسبانية، وهي نصوص تستمد مادتها من الواقع التونسي، وتعبر عن ذاكرته وأسئلته الاجتماعية والثقافية، على الرغم من اختلاف لغة الكتابة. ومن ثم يثور التساؤل: هل يكفي اختلاف اللغة لنفي انتماء هذه الأعمال إلى الأدب التونسي؟


وتنسحب الإشكالية نفسها على الرواية اليمنية المكتوبة بلغات أجنبية، ولا سيما في أدب المهجر والشتات؛ فقد تنجح هذه النصوص في نقل الذاكرة اليمنية إلى فضاءات لغوية عالمية، محتفظة بخصوصيتها الثقافية، رغم انفصالها عن اللغة العربية.


ويقابل هذا التوجه موقفٌ مغاير يتبناه أستاذنا مسعود عمشوش، الذي لا يجعل اللغة معيارًا حاسمًا في تحديد الهوية الأدبية. ويتجلى ذلك في احتفائه بأعمال الروائي عبدالرزاق قرنح ، الحائز على جائزة نوبل في الأدب، وإدراجه إياها ضمن الامتداد الثقافي للحضور الحضرمي، على الرغم من أنها كُتبت باللغة الإنجليزية. وقرنح يؤكد انتماؤه الافرييقي، أنما عمشوش ينطلق من أن الانتماء الثقافي والذاكرة التاريخية والأصول الحضرمية تشكل عناصر لا تقل أهمية عن اللغة في بناء هوية النص، بل قد تتجاوزها في بعض السياقات.


يكشف هذا التباين بين الموقفين أن سؤال الهوية الأدبية لا يخضع لمعيار واحد متفق عليه؛ فبينما يمنح نور الدين بنخود اللغة سلطةً حاسمة في تحديد انتماء العمل الأدبي، يوسع مسعود عمشوش دائرة الهوية لتشمل الأصول الثقافية والتاريخية والمرجعيات الحضارية، حتى وإن كُتب النص بلغة أجنبية. ومن ثم، يظل تحديد هوية الأدب مجالًا مفتوحًا للتأويل والاختلاف، تبعًا للمنطلقات النظرية التي يعتمدها كل ناقد.


وعليه، فإن معيار اللغة، على الرغم من قوته وقدرته على تفسير جانب مهم من الهوية الأدبية، يظل محل نقاش؛ إذ يبدو غير كافٍ وحده لاستيعاب الظواهر الأدبية العابرة للغات والثقافات، الأمر الذي يدفع إلى النظر إلى الهوية الأدبية بوصفها نتاج تفاعل بين اللغة، والانتماء الثقافي، والموضوع، والفضاء النصي، لا نتيجة عنصر وبين "الرواية اليمنية" و"الرواية في اليمن"


ربما لا يكمن الحل في استبدال مصطلح بآخر، بل في توسيع أفق التصنيف نفسه.


أنوي كتابة رواية عن تونس على خطى الشاعر اليمني مبارك سالمين ... وٍاكون بها تونسيا فقد قيل لي (وليت تونسي) .. في هذه الرواية لا أحمل جنسية الكاتب، بل هوية المكان؛ ولذلك فقد آثرت أن أولد بين صفحاتها تونسيًا. (وليت تونسي)


مجيب الرحمن الوصابي