م. عبدالناصر صالح ثابت
منذ مطلع ھذا العام، تعرض الجنوب لسلسلة من الصفعات العسكریة والسیاسیة والاقتصادیة المتلاحقة، في سیناریو
القلق على حاضر الجنوب ومستقبل قضیتھ. لم یخطر ببال أي جنوبي، ولم یتوقعھ حتى أكثر المتشائمین. فقد توالت الأحداث بوتیرة متسارعة، في مشھد یثیر
الشھداء والجرحى، لتشكل واحدة من أقسى الضربات التي تعرض لھا الجنوب خلال السنوات الأخیرة. بدأت الصفعة الأولى باستھداف القوات الجنوبیة بضربات عسكریة في حضرموت والضالع، سقط خلالھا مئات
ثم جاءت الصفعة السیاسیة، المتمثلة في إحلال المجلس الانتقالي الجنوبي، وما رافق ذلك من إغلاق لبعض مقراتھ،
وتعطیل عدد من مؤسساتھ، وتقیید نشاط عدد من قیاداتھ، في خطوة استھدفت الكیان السیاسي الذي التف حولھ قطاع
واسع من الجنوبیین، وسعى إلى التعبیر عن قضیتھم وحقوقھم.
ولم تتوقف الصفعات عند ھذا الحد، بل امتدت إلى الساحة الجنوبیة ذاتھا، من خلال تفریخ المكونات السیاسیة،
وإضعاف الصوت الجنوبي، وإدماج قوى متناقضة في أطر سیاسیة ھشة، بما یھدد بتعمیق الانقسام وتھیئة بیئة قابلة
من حالة الاحتقان وفقدان الثقة. للصراع. كما رافق ذلك قمع المظاھرات، وعملیات اعتقال، وسقوط ضحایا في صفوف الجنوبیین، الأمر الذي زاد
وامتدت الصفعات أیضًا إلى القوات المسلحة والأمن الجنوبیة، عبر إعادة ھیكلتھا وتغییر عدد من قیاداتھا، في مشھد
یعید إلى الأذھان ما جرى عقب حرب صیف ،1994 وما تركتھ تلك المرحلة من آثار عمیقة في الواقع الجنوبي.
أما الصفعة الاقتصادیة والخدمیة، فقد انعكس تدھور الخدمات وارتفاع الأسعار بصورة مباشرة على حیاة
یومًا بعد آخر. المواطنین، لیصبح المواطن الجنوبي ھو من یدفع الثمن الأكبر لكل ما یجري، في ظل أوضاع معیشیة تزداد قسوة
والیوم، ومع تداول أنباء عن صفقات أو تفاھمات سیاسیة، تتزاید المخاوف من تسویات تُبرم على حساب تضحیات
صفقات لتبادل الأسرى، وسط ترقب لما قد تحملھ الأیام المقبلة من تفاھمات تمس مستقبل الجنوب. الجنوبیین. وقد تعززت ھذه المخاوف مع ما أُثیر حول الإفراج عن متھمین في قضایا اغتیالات وإرھاب ضمن
وفي ظل ھذا المشھد، تتعاظم مشاعر القلق لدى الجنوبیین بشأن مسار قضیتھم، في وقت تتداخل فیھ الحسابات
یقابلھا من إنصاف أو حلول. السیاسیة مع التضحیات التي قُدمت على مدى سنوات طویلة، ویزداد الشعور بأن كلفة تلك التضحیات لم تجد ما
الیوم، في ظل المشھد السیاسي المعقد، وكأنھا تقف في مھب الریح. لقد دفع الجنوبیون ثمنًا باھظًا من الشھداء والجرحى والمفقودین، وتحملوا سنوات من المعاناة، لكن تضحیاتھم تبدو
في الختام، لم یعد السؤال: كم صفعة تلقاھا الجنوب؟ بل: ھل بدأت مرحلة الصفقات على حساب تضحیات
وسیحفظھ التاریخ. الجنوبیین، أم ستظل تلك التضحیات عصیة على أن تتحول إلى ثمن لتسویات سیاسیة؟ سؤال ستجیب عنھ الأیام، وسيحفظه التاريخ.