آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-09:24م

حين أُغلق باب القاعة...

الجمعة - 10 يوليو 2026 - الساعة 10:56 م
د. سمير أحمد بوست


في الأيام الأخيرة، وبين صور اللقاءات وكثرة الأخبار، توقفت أمام صورة واحدة... ثم أخذني الخيال إلى مكانٍ آخر.

ليس إلى ما دار داخل القاعة...

بل إلى ما كان يمكن أن يحدث قبل أن تُفتح أبوابها.


تخيلت أن الوطن وصل أولاً.

لم يحمل ملفاً، ولم يرافقه حرس، ولم يبحث عن مقعد في الصف الأول.


وقف بهدوء... كأبٍ ينتظر أبناءه.

ثم بدأ الجميع يدخلون...

وجوه مختلفة...

وتجارب متعددة...

ورؤى قد لا تتشابه في كل شيء...

لكنها اجتمعت هذه المرة حول طاولة واحدة.


وربما...

كان هذا وحده يستحق أن يمنح الناس شيئاً من الأمل.


فالسنوات الماضية كانت ثقيلة على الجميع.

تعب اليمن...

وتعب الناس معه.

ولم يعد المواطن ينتظر من السياسة أن تنتصر لطرف...

بقدر ما ينتظر منها أن تنتصر للوطن.


وتخيلت أن الوطن ابتسم، وقال لهم بهدوء:

يسعدني أن أراكم هنا...

فالحوار، مهما طال طريقه، يبقى أقرب إلى البناء من القطيعة.

وقد تختلف الاجتهادات...

وتتعدد الرؤى...

لكن الوطن يتسع لها جميعاً، إذا بقيت مصلحة الإنسان هي البوصلة.


فالطفل الذي يحلم بمدرسة أفضل...

والمريض الذي ينتظر دواءه...

والمزارع الذي ينتظر الماء...

والموظف الذي ينتظر راتبه...

والشاب الذي يبحث عن فرصة...

لا يسألون لمن كانت الفكرة...


بل يسألون: متى تصبح واقعاً؟


ولهذا...

لعل أجمل ما يمكن أن تتنافس عليه القوى السياسية اليوم، بالإضافة إلى كثرة الحضور، وقوة الخطاب...

الأهم هو جودة الأثر.

أن يخرج الناس من كل لقاء وهم يشعرون أن خطوة، مهما كان حجمها صغيرة أو كبيرة، قد اقتربت بهم من الاستقرار، وأن باباً جديداً قد فُتح للأمل؛ مما يخفف شيئًا من معاناة الناس.


وأظن أن قيمة أي اجتماع أو لقاء لا تُقاس بعدد الصور التي تُلتقط...

ولا بعدد الكلمات التي تُقال...

بل بما يعود منه إلى حياة المواطن بعد أن تُغلق أبواب القاعة.


وحين همَّ الجميع بالمغادرة...

التفتُّ نحو الوطن.

كان يبتسم بهدوء.

ليس لأنه ظن أن كل شيء قد اكتمل...

بل لأنه رأى ما انتظره طويلاً:

أن يجلس مايُظن أنهم مختلفون حول طاولة واحدة، وأن يمنحوا الحوار فرصة أنسب قبل أن يمنحوا الخلاف مساحة أكبر.

وربما كانت هذه، في حد ذاتها، بداية تستحق أن تُشجَّع، وأن يُبنى عليها.

وقبل أن يغادر...

ترك عبارة بقيت عالقة في ذهني:

"اجعلوا اختلافَ اجتهاداتكم ثراءً للأفكار... واجعلوا اتفاقَكم على الوطن أكبرَ من كل اختلاف."

فالأوطان لا تكبر بكثرة من يتحدثون باسمها...

بل تكبر كلما شعر المواطن أن الحوار أصبح عملاً، وأن السياسة اقتربت من الإنسان، وأن الدولة تقترب من الجميع.

ولعل أجمل لقاءٍ وطني...

ليس الذي ينتهي بصورةٍ جماعية...

بل الذي يبدأ منه طريقٌ يمنح الناس ثقةً أكبر، ويصون كرامة الجميع، ويفتح للوطن أبواباً أوسع نحو الشراكة، والاستقرار، والبناء.