"في الدول المحترمة، تبدأ المحاسبة عند أول شبهة... أما في اليمن، فتبدأ الحصانة عند أول منصب"
في الدول التي لا تزال تعتبر المنصب تكليفاً لا تشريفاً، يكفي أن تتسرب فاتورة غداء، أو يثار سؤال عن بضع مئات من الدولارات، حتى يقف المسؤول أمام الكاميرات معلناً استقالته، لا لأنه أُدين، بل لأن الثقة العامة أثمن من الكرسي. أما عندنا، فيبدو أن الكرسي هو الوحيد الذي لا يخضع لأي مساءلة؛ تتعاقب الحكومات، وتتوالى الأزمات، بينما يبقى المنصب عصياً على كل ريح.
في اليمن، لم يعد الفساد مجرد ظاهرة إدارية، بل تحول إلى جزء من المشهد السياسي، كأنه بند ثابت في الدستور غير مكتوب. فمنذ عقود، اعتادت البلاد سماع ملفات فساد أكبر من أن تُحصى، لكن النتيجة غالباً واحدة: ضجيج إعلامي، ثم صمت رسمي، ثم استمرار الحياة وكأن شيئاً لم يكن.
وخلال سنوات الحرب، لم يتراجع الفساد كما كان يأمل الناس، بل وجد في الفوضى بيئة مثالية للنمو. فحين تغيب الرقابة، وتتشظى مؤسسات الدولة، وتصبح الأولويات الأمنية والعسكرية هي العنوان الأكبر، تتحول الأموال العامة إلى ضحية سهلة، ويصبح السؤال عن الشفافية أشبه بمن يبحث عن عنوان مكتبة وسط ساحة معركة.
واليوم، ومع تداول اتهامات بالفساد تطال رئيس مجلس القيادة الرئاسي، يجد اليمنيون أنفسهم أمام المشهد ذاته الذي تكرر كثيراً. والقاعدة القانونية والسياسية هنا واضحة: الاتهام لا يساوي الإدانة، ومن حق أي مسؤول أن يتمتع بقرينة البراءة حتى يثبت العكس عبر تحقيق مستقل وقضاء نزيه. لكن المشكلة ليست في وجود الاتهام، بل في غياب الآليات التي تمنح الناس إجابة مقنعة، سواء بإثبات المسؤولية أو نفيها.
في الدول التي تحترم مؤسساتها، لا يُنظر إلى الاستقالة عند إثارة قضية فساد باعتبارها اعترافاً بالذنب، وإنما باعتبارها احتراماً للدولة وللتحقيق وللرأي العام. أما في اليمن، فكأن بعض المسؤولين يتعاملون مع المنصب بوصفه حصانة دائمة، لا مسؤولية مؤقتة، حتى باتت الاستقالة تبدو فعلاً أسطورياً يُروى للأجيال أكثر مما يُمارس في الواقع.
المفارقة أن الخطاب الرسمي لا يتوقف عن الحديث عن مكافحة الفساد، بينما يزداد هذا الفساد حضوراً كلما ارتفعت الشعارات. إنها معادلة عجيبة؛ كلما كثر الحديث عن النزاهة، اتسعت مساحة الشك لدى الناس. حتى أصبح المواطن يتابع تصريحات وبيانات مكافحة الفساد كما يتابع نشرات الطقس, يستمع إلى التوقعات، ثم يخرج ليجد الواقع على حاله!!.
ولعل أخطر ما أنتجه هذا المشهد ليس ضياع الأموال وحدها، بل تآكل الثقة. فالدول لا تنهار فقط عندما تُنهب خزائنها، بل عندما يفقد المواطن إيمانه بأن هناك قانوناً يطبق على الجميع بلا استثناء. وعندما تصبح المساءلة انتقائية، تتحول العدالة إلى شعار جميل يزين الخطب، لكنه لا يغادر المنصة.
إن القضية، في جوهرها، ليست قضية شخص بعينه، بل قضية نموذج حكم. فإذا كانت الاتهامات صحيحة، فالمطلوب تحقيق شفاف ومحاسبة لا تعرف الأسماء ولا المناصب. وإن كانت غير صحيحة، فالمطلوب أيضاً تحقيق شفاف يبرئ صاحبه أمام الرأي العام. أما دفن الملفات في أدراج السياسة، فهو لا يبرئ أحداً، بل يوسع دائرة الشك ويمنح الفساد عمراً أطول.
في النهاية، لا تحتاج اليمن إلى خطب جديدة عن النزاهة، بل إلى مسؤول يعرف أن المنصب ليس ملكية خاصة، وأن الكرسي وجد لخدمة المواطن وليس المسؤول . ففي البلدان التي تحترم نفسها، تُقاس هيبة الدولة بقدرتها على محاسبة كبار المسؤولين قبل صغار الموظفين. أما حين يصبح الكرسي أقوى من القانون، فلا يعود الفساد استثناءً، بل يصبح السؤال الحقيقي: من سيحاسب من؟
بقلم / محمد علي رشيد النعماني .