صالح لجوري
في مدينة الحوطة بمحافظة لحج، حيث لا تزال الألحان القديمة تسكن الأزقة والبيوت، كانت وجهتنا هذه المرة إلى منزل المايسترو ردفان سعودي، النجل الأكبر للموسيقار اللحجي الكبير الراحل سعودي أحمد صالح، لإجراء لقاء تلفزيوني وصحفي يتزامن مع الذكرى الثالثة لرحيل والده في الرابع من يوليو 2026.
كان الهدف استعادة محطات من سيرة أحد أبرز رواد الأغنية اللحجية، والكشف عن تفاصيل لم تُروَ من قبل حول حياته الفنية والإنسانية، إلا أن ما حدث تجاوز كل ما كان مخططًا له.
عندما سبقت الدموع الكلمات
بمجرد أن بدأ الحديث عن والده، تغيرت ملامح المايسترو ردفان سعودي، ولم يتمكن من إكمال حديثه أمام الكاميرا. حاول أكثر من مرة أن يستجمع كلماته، لكن دموعه كانت أسرع من صوته، في مشهد جسّد حجم الوفاء والحب الذي يحمله لوالد لم يكن بالنسبة إليه مجرد أب، بل معلمًا وقدوة ورفيق رحلة.
وأمام هذا الموقف الإنساني الصادق، فضّل فريق العمل تأجيل اللقاء التلفزيوني إلى موعد آخر، احترامًا لمشاعره، فهناك مواقف تختصرها الدموع أكثر مما تشرحه الكلمات.
وخلال الزيارة، جرى تدوين عدد من المعلومات والوثائق التي ستُنشر لاحقًا ضمن مادة صحفية موسعة، بعد استكمال البحث والتقصي حول محطات مهمة من حياة الموسيقار الراحل، إلى جانب التوقف عند تجربة نجله الفنية التي واصل من خلالها حمل الرسالة الموسيقية بإخلاص، إذ لا يزال يعمل في مكتب الثقافة بمحافظة لحج.
من الحزن إلى الفرح.. عندما عاد الصوت من جديد
في طريق العودة، اصطحبنا المايسترو ردفان سعودي، وكانت المفاجأة التي بدلت أجواء الرحلة.
استمعنا إلى صوت والده وهو يؤدي رائعته الشهيرة “يا قمري الوادي”، ثم طلبنا من ردفان أن يردد الأغنية بصوته، فإذا بالمشهد يتحول إلى لحظة استثنائية، شعر خلالها الجميع وكأن الموسيقار الراحل عاد للحياة.
لم يكن التشابه في الملامح وحده، بل في نبرة الصوت، ودفء الأداء، والإحساس الصادق الذي أعاد إلى الأذهان صورة الفنان الكبير سعودي أحمد صالح، وكأن الابن يحمل شيئًا من روح والده ويواصل حضوره الفني بين الناس.
وخلال دقائق قليلة، تبدلت أجواء الرحلة من الحزن إلى البهجة، ومن الدموع إلى الابتسامات، بعدما نجحت الموسيقى في أن تكون البلسم الذي خفف وطأة الفقد، وأعاد شيئًا من الطمأنينة إلى القلوب.
ويُعد المايسترو ردفان سعودي من أبرز الموسيقيين اليمنيين، إذ يحمل درجة الماجستير في الفنون الموسيقية من الاتحاد السوفيتي سابقًا، ويجمع بين التأهيل الأكاديمي والخبرة الفنية، مواصلًا الحفاظ على الإرث الموسيقي الكبير الذي تركه والده.
رفيق الرحلة
وكان الإعلامي سعدان مسعد اليافعي، مدير مكتب الإعلام بمحافظة لحج، رفيقًا لهذه الرحلة، حيث قدم كل التسهيلات لإنجاز المهمة الصحفية، في موقف يعكس اهتمامه بالشأنين الثقافي والفني، وحرصه على توثيق سير المبدعين والاحتفاء بالرموز التي أسهمت في إثراء الحركة الثقافية والفنية في لحج واليمن.
سفر في الذاكرة
بعض الرحلات لا تكون مجرد انتقال بين الأمكنة، بل تتحول إلى سفر في الذاكرة، ولقاء مع الوفاء، ورسالة تؤكد أن المبدعين الحقيقيين لا يغيبون برحيلهم، بل تبقى أصواتهم وأعمالهم حيّة في وجدان الناس، تتردد مع الأيام، وتتوارثها الأجيال.
دعوة لتكريم يليق بموسيقار لحج
وتأتي الذكرى الثالثة لرحيل الفنان والموسيقار سعودي أحمد صالح لتعيد طرح سؤال طال انتظاره: متى يحظى هذا الرمز الفني الكبير بالتكريم الذي يستحقه؟
لقد رحل الفنان سعودي أحمد صالح، ومعه كوكبة من الأدباء والمثقفين والإعلاميين والفنانين الذين أثروا الحياة الثقافية في اليمن، دون أن ينال كثير منهم ما يليق بعطائهم.
ومن هنا تتجدد الدعوة إلى وزارة الثقافة، ومحافظ محافظة لحج، واتحادي الأدباء والفنانين، وكافة الجهات المعنية، للمبادرة إلى تكريم الموسيقار الراحل، ممثلًا بأسرته ورفاق دربه، وفاءً لمسيرته الفنية، واعترافًا بما قدمه للفن اليمني.
فمثل هذا التكريم لا يخص شخصًا بعينه، بل يمثل تكريمًا للفن والثقافة في محافظة لحج، ولتاريخ طويل من الإبداع الذي أسهم في تشكيل وجدان اليمنيين.
ويبقى الأمل قائمًا بأن تتحول هذه الدعوة إلى مبادرة عملية، تليق باسم سعودي أحمد صالح، أحد أبرز الأصوات التي أنجبتها لحج، المحافظة التي ظلت، وستبقى، مدرسة للفن والثقافة والإبداع.