شد انتباهي أمس نداء استغاثة عاجل توجهت به إحدى الكليات اليمنية في رسالة إلى السلطة المحلية، تطالب فيه بالتدخل السريع لإنقاذ قاعات كلياتها من الإغلاق، ليس خبرا عاديا عابرا، بل أمرا مؤلما يحز في النفوس، إذ يتهاوى إغلاق الأقسام واحدا تلو الآخر، وقد يصل الحال إلى إغلاق الكلية بأكملها.
لنقف عند أسباب هذا الانحدار والعوامل التي أدت إلى تدهور وتفاقم المشكلة، مع طرح بعض المعالجات من وجهة نظري، فما إن تعلن نتائج الثانوية العامة كل عام حتى تبدأ مرحلة جديدة، مرحلة كان من المفترض أن تكون بوابة إلى الجامعة والحلم الجميل، لكن المشهد تغير تماما.
فاليوم لم يعد الجميع يرغب أو يحلم بشهادات تعلق على الجدران، فاضطر كثيرون، وربما مكرهين، إلى ترك القاعات الجامعية شبه الفارغة، لماذا؟ لأن أبواب الالتحاق بالسلك العسكري مفتوحا وعلى مصراعيها، فاتحة أذرعها تحت شعار "هل من مزيد"، ولأن أربع سنوات من التعب والديون يقابلها مستقبل مجهول وغامض "لا يؤكل عيش"، بعكس العسكرية التي تدر عليك امولا وبالجرق المختصرة.
أتذكر أن بعض كليات التربية والآداب كانت منارات حقيقية، تخرج منها من تقلدوا أعلى المناصب، واستقطبت طلابا من مناطق بعيدة، أتوا إليها من كل حدب وصوب، ولو كلفهم الأمر أن يأتوا إليها حبوا، أما اليوم فقد تغير الوضع تماما، فأصبح لسان حال الملتحق يقول: ما فائدة الشهادة الجامعية إذا كان جارنا الخريج يحملها منذ سنوات طويلة دون وظيفة؟ وماذا تفيد الشهادة إذا كانت الوظائف متوقفة أو لا تنال إلا بالواسطة، أو إذا كان راتب المعلم لا يتجاوز سبعين ألف ريال؟
نعم، نعلم جيدا أن الوضع اليوم مقلق بعد دق ناقوس الخطر، وانخفاض عدد الملتحقين بالجامعات بصورة حادة، حتى بات عدد الطلاب في بعض الكليات أقل من عدد أعضاء هيئة التدريس والموظفين. الأبواب مفتوحة، والمقاعد جاهزة، لكن لا أحد يجلس، ولا أحد يرغب في الالتحاق لمواصلة تعليمه.
لكن وحتى نكون صادقين فإن الطالب لا يهرب من العلم، فالجميع شغوف بالعلم والتعلم، إلا أن الطالب يجري حسابا بسيطا، فيقول: الجامعة تعني أربع سنوات دراسة، ومصاريف، ومواصلات، وكتبا، وسكنا، وديونا تتراكم على الأسرة، ووجع رأس، وفي النهاية... ماذا؟ شهادة ورقية تنتظر طابور البطالة على رفوف مكاتب الخدمة المدنية.
أما الطريق الآخر، أو ما يسميه البعض "الطريق الوردي"، فهو الالتحاق بأي معسكر، وما أكثرها، ومن دون ذكرها، تدريب لأسابيع، ثم راتب شهري ثابت يتجاوز أربعمائة ألف ريال، راتب يبني لك بيتا، ويعين أسرة، ويفتح مشروعا، ويؤسس حياة كريمة، بل يفوق راتب الدكتور الجامعي الذي يندب حظه مرات عديدة.
وللأمانة ولكي يكون طرحنا منصفا، فإن أي شاب وأي أسرة في ظل هذا الواقع، لو خيروا بين الطريقين، فبلا شك سيختارون الطريق الثاني، لأن المشكلة ليست في خيار الشباب، بل في أننا أوصلناهم إلى مفاضلة بين لقمة العيش وبين شهادة لا تسمن ولا تغني من جوع.
الآن لو افترضنا أننا أقنعنا شابا حديث التخرج من الثانوية بمواصلة تعليمه، وحفزناه ورغبناه ونمينا فيه حب التعليم، ثم التحق بالجامعة، فسيصطدم لا محالة بتعليم قديم لا يواكب العصر، لأننا ما زلنا ندرس مناهج وتخصصات مضى عليها الزمن، ولم تتجدد أو تتطور، بل إن التعليم الأساسي هو الآخر يشكو الجمود.
نحن الآن في عصر التقنية الرقمية والإنترنت والذكاء الاصطناعي، إلا أننا لا نزال ندرس موضوعات تجاوزها الزمن، بينما تغيب عن مناهجنا المهارات والمعارف التي يحتاجها الطالب في حياته وسوق العمل.
والمشكلة الأخرى أن الطالب يدخل القاعة ليتلقى تعليما نظريا صرفا، ثم يتخرج ليجد سوق العمل يطلب خبرة ومهارة وتطبيقا، فيفقد ثقته، ويلعن سنوات الدراسة، ويتساءل: لماذا أضعت أربع سنوات من عمري في طريق لا يوصلني إلى وظيفة، ولا يوفر لي حياة كريمة؟
أنا لا أدعو ولا أحرض على ترك قاعات التعليم، لأن استمرار هذا الوضع يعني خسارة مزدوجة، خسارة جيل كامل من المتعلمين، وخسارة مؤسسات أكاديمية كانت يوما ما رافدا أساسيا للتنمية، لكنني أنقل واقعا حقيقيا.
ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه لا بد أولا من خطوات عاجلة، تبدأ بإعادة هيكلة التخصصات، وربط الجامعة باحتياجات سوق العمل، ولا تنتهي عند تحسين أوضاع التعليم والمعلم لأنه لا يمكن النهوض بالتعليم بينما معلموه وأساتذته يعانون من الإهمال، إن احترام الكادر الأكاديمي ماديا ومعنويا هو الخطوة الأولى لاستعادة هيبة الشهادة الجامعية.
إضافة إلى ذلك، هناك نقطة أخرى مهمة، تتمثل في التنسيق مع وزارة الدفاع أو الجهات العسكرية المختصة لاشتراط استكمال التعليم الجامعي، أو على الأقل حد أدنى من التأهيل العلمي لقبول أي ملتحق وبذلك نكون قد أسهمنا في حل جزء من المشكلة.
وقبل أن أختم، أؤكد أن الشباب لا يكرهون مقاعد الدراسة أبدا، وإنما يبحثون عن أقصر طريق يضمن لهم لقمة عيش كريمة ومستقبلا آمنا، فإذا أردنا أن تعود الجامعات ممتلئة، فعلينا أن نجعل الشهادة الجامعية تساوي مستقبلا حقيقيا.
وإلا... فستبقى القاعات فارغة، وسيبقى الحلم مؤجلا، ويتحول إلى أضغاث أحلام.