آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-09:24م

متى يشعر الوطن بالأمان؟

الإثنين - 06 يوليو 2026 - الساعة 10:28 م
د. سمير أحمد بوست


أحياناً أسأل نفسي...

متى يمكن أن نقول إن وطناً ما أصبح آمناً؟


- هل عندما تكثر فيه الأسلحة؟


- أم عندما تقل فيه أسباب الخوف؟


وكلما سمعت حديثاً عن التصعيد، أو التهديد، أو اتساع رقعة الصراعات، يعود إليّ هذا السؤال من جديد.


لأن الأمن، في النهاية، لا يعني فقط أن تكون الحدود محمية، بل أن ينام الناس مطمئنين، وأن يذهب الطفل إلى مدرسته دون أن يخاف عليه أهله، وأن يخطط الشاب لمستقبله وهو يفكر في النجاح، لا في موعد الأزمة القادمة.


اليمن تعب...


وهذه ليست عبارة سياسية، بل حقيقة يعرفها كل بيت.


سنوات الحرب جعلت أحلام الناس أكثر بساطة من أي وقت مضى؛ طريق آمن، ومدرسة أفضل، وكهرباء مستقرة، وماء متوفر، ومستشفى يليق بالناس، ودولة تقوم بواجبها وتحفظ كرامة مواطنيها.


ولهذا، أشعر أن أي خطوة تزيد التوتر في اليمن أو في المنطقة تستحق أن نتوقف عندها بهدوء.

ليس لأننا نخشى السياسة...

بل لأننا نخشى على الإنسان.


فحين يصبح القرار الوطني عرضة للتجاذبات الخارجية، أو تتحول أرض الوطن إلى ساحة لتبادل الرسائل، أو تصبح التهديدات وسيلة لإدارة الخلافات، فإن أول من يدفع الثمن ليس السياسي، بل المواطن الذي يريد فقط أن يعيش حياة طبيعية.


ومن هنا، فإن احترام سيادة الدول ليس مجرد مبدأ قانوني تتحدث عنه الاتفاقيات، بل هو احترام لحق الشعوب في أن تصنع مستقبلها بنفسها، وأن يكون قرارها نابعاً من مؤسساتها الشرعية، ومحكوماً بالقانون، بعيداً عن منطق السلاح أو أي نفوذ يتجاوز إرادة الدولة.


وكذلك فإن تهديد أمن الدول المجاورة، أو استهداف منشآتها المدنية والاقتصادية، لا يبقى شأناً يخص تلك الدول وحدها، بل ينعكس على استقرار المنطقة بأسرها، ويزيد من معاناة شعوبها، ويؤخر فرص التنمية والسلام التي يتطلع إليها الجميع.


وربما لهذا السبب، لا تحتاج منطقتنا اليوم إلى أصوات أعلى...

بل إلى عقول أهدأ.


ولا تحتاج إلى مزيد من الرسائل العسكرية...

بل إلى رسائل تبعث الطمأنينة، وتعيد الثقة، وتفتح أبواب الحوار، لأن الدول تُبنى بالتعاون أكثر مما تُبنى بالمواجهة.


وأعتقد أن قوة الدول لا تُقاس بقدرتها على إثارة الخوف، بل بقدرتها على حماية الإنسان، وصون سيادتها، واحترام سيادة غيرها، وبناء مؤسسات قوية يكون القانون فيها هو المرجع، وتكون مصلحة الشعوب هي الأولوية.


واليمن، بعد كل ما مر به، لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات، بل إلى فرصة حقيقية ليستعيد قراره الوطني، ويقوي مؤسساته، ويستثمر طاقات أبنائه، ويكون شريكاً في أمن محيطه واستقراره، لا ساحةً تتقاطع فيها حسابات الآخرين.


ولعل السؤال الذي يستحق أن يبقى أمامنا دائماً ليس:

- من انتصر؟

ولا:

- من كان صوته أعلى؟


بل:

- هل أصبح المواطن أكثر أمناً؟


إذا كانت الإجابة نعم...

فنحن نسير في الاتجاه الصحيح.


أما إذا بقي الإنسان هو الخاسر الأكبر، فكل انتصار بعد ذلك يبقى ناقصاً.


وفي النهاية يا أحبه...

قد تختلف الدول في سياساتها، وقد تتباين مواقفها، لكن هناك حقيقة لا ينبغي أن يختلف عليها أحد:

أن الشعوب لا تبني مستقبلها وسط الفوضى، ولا يزدهر الاستقرار في ظل التهديد، ولا تقوم الدولة إلا حين يكون قرارها مستقلاً، ومؤسساتها قوية، وسيادتها مصونة.


فالوطن الذي يحمي قراره... هو الوطن الذي يحمي مستقبل أبنائه.

والله خيرٌ حافظاً، وهو أرحم الراحمين.